في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، أثار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على دول الاتحاد الأوروبي ردود فعل قوية، وتحديداً على خلفية الخلاف حول إقليم غرينلاند. هذا التهديد دفع قادة الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة الرد المناسب، وسط مخاوف من تصعيد الأزمة وتداعياتها الاقتصادية والأمنية. يمثل هذا التطور تحدياً جديداً للعلاقات عبر الأطلسي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التعاون التجاري والاستراتيجي بين الولايات المتحدة وأوروبا.
اجتماع طارئ للاتحاد الأوروبي لمواجهة تهديد الرسوم الجمركية
أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يوم الأحد، عن عقد اجتماع طارئ لقادة الاتحاد الأوروبي في الأيام القليلة القادمة بهدف تنسيق الرد على تهديدات الرئيس ترامب. ويهدف هذا الاجتماع إلى بلورة استراتيجية موحدة لمواجهة الضغوط الأمريكية، وتقييم الخيارات المتاحة لحماية المصالح الأوروبية.
ووفقاً لمسؤول أوروبي، يجري التخطيط لعقد القمة في بروكسل يوم الخميس القادم. ويأتي هذا التحرك بعد أن توصل سفراء الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق لتكثيف الجهود الدبلوماسية لإقناع ترامب بالتراجع عن خطط فرض الرسوم الجمركية، مع الاستعداد في الوقت ذاته لاتخاذ إجراءات مضادة في حال تنفيذ هذه الخطط.
خيارات الاتحاد الأوروبي: رسوم مضادة وأدوات للضغط الاقتصادي
يملك الاتحاد الأوروبي عدة خيارات للرد على الرسوم الجمركية الأمريكية المحتملة. أبرز هذه الخيارات هي تفعيل حزمة من الرسوم الجمركية على واردات أمريكية بقيمة 93 مليار يورو، والتي كانت قد تم تعليقها سابقاً لمدة ستة أشهر في مطلع أغسطس.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي اللجوء إلى “أداة مكافحة الإكراه”، وهي آلية تتيح له اتخاذ تدابير قد تؤثر على الاستثمارات الأمريكية في أوروبا. هذه التدابير تهدف إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على الولايات المتحدة، وإجبارها على التراجع عن سياساتها الحمائية. الهدف الأساسي هو حماية الاقتصاد الأوروبي من أي تأثير سلبي محتمل للرسوم الجمركية الأمريكية.
دعم أوروبي وبريطاني لسيادة غرينلاند والدانمارك
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأحد، على التمسك الأوروبي بسيادة كل من غرينلاند ومملكة الدانمارك. جاء هذا التأكيد في سياق رد فعل على محاولات إدارة ترامب استكشاف إمكانية شراء إقليم غرينلاند.
وشددت فون دير لاين على أن الاتحاد الأوروبي سيحمي مصالحه الاقتصادية والأمنية الإستراتيجية. كما كشفت عن مناقشاتها مع قادة دوليين، بما في ذلك الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، حول هذا الموضوع. هذا الدعم يمتد ليشمل الحكومة البريطانية التي أكدت على أهمية الأمن الجماعي لحلف الناتو.
تصريحات أمريكية مثيرة للجدل: “الضعف” الأوروبي وأهمية غرينلاند الجيوسياسية
في المقابل، أدلى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً، حيث قال إن “الضعف” الأوروبي يجعل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند أمراً ضرورياً من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي.
وأضاف بيسنت أن امتلاك غرينلاند يمثل عنصراً مهماً في “مباراة شطرنج جيوسياسية” مع روسيا والصين، مشيراً إلى أهمية الموقع الاستراتيجي للجزيرة في القطب الشمالي. هذه التصريحات تأتي بعد يوم واحد من تعهد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض فكرة الاستحواذ على غرينلاند.
وحدة الموقف الأوروبي والتحركات الدبلوماسية
على الرغم من التحديات، أكدت الدول الأوروبية الثماني التي هددها ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية وحدة موقفها في رفض أي تدخل في سيادة الدانمارك على غرينلاند.
وعقد سفراء الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً في بروكسل لتبادل وجهات النظر حول الردود المحتملة على التهديدات الأمريكية. كما بدأ وزير الخارجية الدانماركي جولة دبلوماسية في دول الشمال وأوروبا الغربية، بهدف تعزيز دور حلف الناتو في أمن المنطقة القطبية الشمالية.
الخلاصة: مستقبل العلاقات عبر الأطلسي على المحك
يمثل الخلاف حول غرينلاند والتهديدات المترتبة عليه اختباراً حقيقياً للعلاقات عبر الأطلسي. إن رد فعل الاتحاد الأوروبي سيكون حاسماً في تحديد مسار هذه العلاقات في المستقبل. من الواضح أن أوروبا مصممة على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، والدفاع عن مبادئ السيادة واحترام القانون الدولي.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تطورات متسارعة في هذا الملف، مع استمرار المشاورات الدبلوماسية والتحركات السياسية على كلا الجانبين من المحيط الأطلسي. يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن الأطراف المعنية من إيجاد حل دبلوماسي يجنب الجميع تصعيداً غير ضروري؟ أم أننا سنشهد بداية حرب تجارية جديدة بين الولايات المتحدة وأوروبا؟ هذه الأسئلة تتطلب متابعة دقيقة وتحليل معمق للتطورات الجارية.


