في خضمّ التحديات الاقتصادية التي واجهت الولايات المتحدة، برز اسم فيكتور شوارتز، صاحب شركة صغيرة لاستيراد النبيذ، كبطل غير متوقع. لم يكتفِ شوارتز بالصمت أمام السياسات الاقتصادية المثيرة للجدل التي تبناها الرئيس السابق دونالد ترمب، بل تصدى لها بقوة، ليصبح الوجه المعلن للمعركة القانونية التي أطاحت بالرسوم الجمركية الشاملة. هذه القصة ليست مجرد انتصار قانوني، بل هي دليل على قوة الأفراد في مواجهة قرارات قد تؤثر على مستقبل الاقتصاد. هذا المقال يتناول تفاصيل هذه المعركة، وأبعادها القانونية والاقتصادية، وكيف تمكن رجل أعمال بسيط من تحقيق إنجاز تاريخي.
معركة الرسوم الجمركية: كيف تحدى فيكتور شوارتز ترمب؟
عندما أعلن الرئيس ترمب عن رفع الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1930، ساد الصمت بين كبرى الشركات الأمريكية خوفًا من مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض. لكن فيكتور شوارتز، صاحب شركة “في أو إس سيليكشنز” (VOS Selections) لاستيراد النبيذ والمشروبات الروحية، رأى في ذلك تهديدًا وجوديًا لعمله. لم يكن أمامه خيار سوى الوقوف في وجه هذه السياسة، ليصبح بذلك “خط الدفاع الأخير” كما وصف نفسه.
كانت الرسوم الجمركية بمثابة ضربة قاضية لشركة شوارتز، حيث اضطر إلى دفع مئات الآلاف من الدولارات مقدمًا في رسوم الاستيراد، في سوق لا يسمح بزيادة الأسعار على المستهلكين. هذا الضغط الهائل على “التدفق النقدي” – شريان حياة الشركة – دفعه إلى قبول دور “المدعي الرئيسي” في القضية التي رفعها “مركز الحرية للعدالة” (Liberty Justice Center).
الثمن الشخصي للمواجهة
لم تكن المواجهة سهلة على شوارتز. فقد تعرض لهجمات مستمرة عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية، واضطر إلى إبقاء أبواب مكتبه مغلقة طوال الوقت. وكشف لشبكة “سي إن إن” (CNN) عن الثمن الشخصي الذي دفعه لمواجهة “أقوى رجل في العالم”.
في المقابل، فضلت آلاف الشركات الكبرى، بما في ذلك “كوستكو”، “الجلوس والمراقبة” ورفع دعاوى استباقية لضمان حصتها من التعويضات دون المخاطرة بسمعتها. علق شوارتز على ذلك قائلاً: “إذا كان الأمر يتطلب عود ثقاب صغيراً لبدء الحريق، فسأقبل بذلك.. لن أشعر بالسوء حيال هذا، بل بالفخر”. هذا التصريح يعكس إصراره على المضي قدمًا في المعركة، حتى لو كان ذلك يعني تحمل مخاطر شخصية.
الرسوم الجمركية والدستور الأمريكي: هل للرئيس سلطة “الضرائب”؟
وصلت القضية إلى المحكمة العليا، حيث تمحورت المناقشات حول سؤال دستوري أساسي: هل يجوز للرئيس فرض ضرائب جديدة، أم أن هذه الصلاحية حصرية للكونغرس؟ في يوم الجمعة 20 فبراير 2026، أصدرت المحكمة العليا حكمًا تاريخيًا بـ6 أصوات مقابل 3، قضى بأن ترمب “افتقر إلى السلطة” لفرض رسوم استيراد عالمية واسعة تحت غطاء قانون “القوى الاقتصادية الطارئة الدولية”.
انضم رئيس المحكمة (المحافظ) جون روبرتس إلى القاضيين نيل غورسوش وأمي كوني باريت (اللذين عينهما ترمب)، بالإضافة إلى القضاة الليبراليين الثلاثة، مؤكدين أن سلطة فرض الضرائب محفوظة للكونغرس وحده. وكتب رئيس المحكمة روبرتس: “المؤسسون لم يمنحوا أي جزء من سلطة فرض الضرائب للفرع التنفيذي”. هذا الحكم يمثل انتصارًا كبيرًا لفصل السلطات في النظام الأمريكي.
مستقبل استرداد المبالغ: معضلة الـ 134 مليار دولار
على الرغم من أن بيانات الجمارك الأمريكية تشير إلى أن المستوردين قد يستحقون استرداد نحو 134 مليار دولار، إلا أن شوارتز أعرب عن تشاؤمه بشأن سرعة الاسترداد. واتهم الإدارة بـ”اختلاق الأعذار”، خاصة بعد تصريح ترمب بأن الأمر “قد يتطلب تقاضيًا لسنتين إضافيتين”، وتوقيعه بالفعل على رسوم جديدة بنسبة 10% بموجب قانون تجاري آخر مقيد زمنياً بـ150 يومًا.
الأهم من استرداد الأموال، بحسب شوارتز، هو “القدرة على ممارسة أعمالنا بالطريقة الطبيعية دون رسوم”. هذه القضية ليست مجرد مسألة مالية، بل هي تتعلق بحرية التجارة واستقرار الاقتصاد.
إرث الانتصار: قصة ملهمة
في لحظة انتصار وصفها لشبكة “إيه بي سي نيوز” بأنها تشبه “الفوز بميدالية ذهبية”، قال شوارتز: “هذا يجعلك فخورا بأن تكون أمريكيا، وأن تعرف أن نظامنا يعمل بهذه الطريقة، وأن شركة صغيرة جدا في مدينة نيويورك يمكن أن تطعن في شيء لأنه خاطئ، ونذهب إلى أعلى محكمة في البلاد، ونفوز لأننا على حق.. هذا لا تراه في كثير من البلدان هذه الأيام”.
قصة فيكتور شوارتز هي قصة ملهمة عن الشجاعة والإصرار، وتذكرنا بأهمية الدفاع عن الحقوق والمبادئ، حتى في مواجهة أقوى التحديات. هذه المعركة حول الرسوم الجمركية لم تكن مجرد نزاع قانوني، بل كانت اختبارًا لقوة الديمقراطية الأمريكية وقدرتها على حماية مصالح الأفراد والشركات الصغيرة. إن هذا الانتصار يمثل سابقة مهمة في مجال التجارة الدولية و السياسات الاقتصادية، ويؤكد على أهمية احترام الدستور والقانون. كما يبرز دور الأفراد في التأثير على القرارات الحكومية، ويشجع على المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاقتصادية.



