في خضم التطورات المتسارعة في قطاع غزة، يبرز الحديث عن تشكيل “مجلس سلام” ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين غير السياسيين كخطوة محورية في المرحلة المقبلة. هذه المبادرة، التي حظيت بترحيب من مجلس الأمن الدولي، تثير تساؤلات حول آليات عملها، وأهدافها، والشخصيات التي ستتولى قيادتها. يهدف هذا المقال إلى تقديم نظرة شاملة حول هذه التطورات، مع التركيز على تفاصيل مجلس سلام، وتشكيلة اللجنة المقترحة، والتحديات التي قد تواجهها.
قرار مجلس الأمن الدولي وتشكيل مجلس السلام
في 17 نوفمبر 2023، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يرحب بإنشاء مجلس سلام في قطاع غزة. هذا المجلس، الذي يُنظر إليه كهيئة إدارية انتقالية، سيتمتع بشخصية قانونية دولية، وتكليفه الأساسي هو وضع إطار العمل وتنسيق التمويل اللازم لإعادة تنمية القطاع المدمر.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقف على رأس هذا المجلس، والذي من المقرر أن يضم في عضويته رؤساء حكومات أو دول مؤثرة. يأتي هذا الإعلان في إطار خطة ترامب المكونة من 20 بندًا، والتي كانت الأساس لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي.
ترامب وصف المشاركين في المجلس بأنهم “أهم القادة في أهم الدول”، مؤكدًا على أهمية هذه المبادرة في تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة. ومع ذلك، فإن تفاصيل ميثاق المجلس واختصاصاته الدقيقة كانت موضع صياغة دقيقة، مما أدى إلى بعض التأخير في الإعلان الرسمي.
اجتماع دافوس والإعلان الوشيك عن أعضاء المجلس
تشير التسريبات الأخيرة إلى أن الإعلان عن أعضاء مجلس سلام قد يكون وشيكًا. فقد كشفت صحف أميركية مرموقة أن الاجتماع الأول للمجلس من المتوقع عقده على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير الجاري.
بالتزامن مع ذلك، أفادت صحيفة تايمز البريطانية بأن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد قبل عرضًا للانضمام إلى المجلس. وتتوقع مصادر أن يعلن ترامب عن أسماء الأعضاء الآخرين خلال هذا الأسبوع.
حتى الآن، لم يتم الكشف عن سوى مرشح لمنصب المدير التنفيذي، وهو الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي يتمتع بخبرة واسعة في المنطقة وعلاقات قوية مع مختلف الأطراف.
نيكولاي ملادينوف: خلفية وخبرة
ملادينوف هو سياسي ودبلوماسي بلغاري سابق، يتمتع بمعرفة عميقة بالشأن الإسرائيلي الفلسطيني. مسيرته المهنية، بالإضافة إلى أبحاثه في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ساهمت في تعزيز علاقته بدائرة حكم الرئيس ترامب.
من المتوقع أن يتولى ملادينوف منصبًا تنفيذيًا رفيعًا في الهيئة الدولية الجديدة، وأن يلعب دورًا رئيسيًا في إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، وفقًا لخطة ترامب. وقد أشاد ملادينوف في ندوة سابقة بخطة ترامب، مؤكدًا على أهمية الضغط الدبلوماسي الأميركي في إنهاء الحرب، وضرورة تشكيل قوة حفظ استقرار دولية قادرة على مواجهة أي حركات تمرد.
لجنة التكنوقراط الفلسطينيين: إدارة الشأن العام في غزة
بالتوازي مع تشكيل مجلس سلام، تتجه الولايات المتحدة نحو تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين للإشراف على إدارة قطاع غزة. وقد تم ترشيح علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق، لرئاسة هذه اللجنة.
تأتي هذه الخطوة في إطار سعي الولايات المتحدة لإعطاء دفعة لخططها بشأن غزة، والتي تواجه بعض العقبات. وتشير التقارير إلى أن اللجنة ستكون غير سياسية، وستركز على تقديم الخدمات العامة في القطاع، مع الاعتماد على خبراء فلسطينيين مستقلين.
حركة حماس أعلنت عن خطوات إيجابية وجدية لتسليم إدارة الشأن العام في غزة إلى هذه اللجنة، مؤكدة على تغليب المصلحة الوطنية العليا وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. وقد أصدرت الحركة تعليمات واضحة لكافة الجهات والمؤسسات الحكومية في القطاع للشروع في تسليم الملفات الحكومية إلى اللجنة.
التحديات المستقبلية والآفاق المتاحة (إعادة الإعمار، الوضع الإنساني)
على الرغم من الترحيب بهذه المبادرات، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. إسرائيل تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار من خلال شن غارات وقصف مدفعي على مناطق مختلفة في غزة، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف بشأن فعالية مجلس سلام في تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة، خاصة في ظل تعقيد الوضع السياسي والأمني في المنطقة. كما أن هناك انتقادات لرؤية ترامب التي تهدف إلى إنشاء آلية موازية للأمم المتحدة، دون دعم القانون الدولي.
ومع ذلك، يظل تشكيل مجلس سلام ولجنة التكنوقراط الفلسطينيين خطوة مهمة نحو إيجاد حلول للأزمة في غزة. فالنجاح في تنفيذ خطط إعادة الإعمار، وتحسين الوضع الإنساني، وتوفير الأمن والاستقرار للفلسطينيين، يتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية، وتعاونًا بناءً بين جميع الأطراف المعنية. الوضع الإنساني في غزة يتطلب تدخلًا عاجلًا، وإعادة الإعمار هي مفتاح استعادة الحياة الطبيعية لسكان القطاع.
المصدر: الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية + هآرتس


