في تطور دراماتيكي يلقي بظلاله على المشهد السياسي في أوكرانيا، كشفت السلطات عن اتهامات خطيرة لرئيسة الوزراء السابقة، يوليا تيموشينكو، تتعلق بدفع رشاوى للمشرعين. هذه القضية، التي تزامنت مع جهود مكافحة الفساد في أوكرانيا، أثارت جدلاً واسعاً وتساؤلات حول مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد. وتأتي هذه الاتهامات في وقت حرج، حيث تسعى أوكرانيا جاهدة لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية والحصول على دعم مستمر في مواجهة التحديات الراهنة.

تفاصيل الاتهامات والتحقيقات

في يوم الأربعاء، أعلنت السلطات الأوكرانية عن توجيه اتهامات رسمية ليوليا تيموشينكو، زعيمة حزب “باتكيفشينا”، بدفع رشاوى بهدف التأثير على تصويت النواب في البرلمان. وقد نفذ المكتب الوطني لمكافحة الفساد ومكتب المدعي العام المختص بمكافحة الفساد مداهمة لمقر الحزب، مما أثار ردود فعل متباينة.

تيموشينكو نفت بشدة جميع الادعاءات الموجهة إليها، واصفة إياها بـ”السخافة” و”حيلة علاقات عامة كبيرة”. وأكدت أن عملية التفتيش تمت دون أمر قضائي، وأن المحققين لم يعثروا على أي دليل يدينها، بل قاموا بمصادرة ممتلكاتها المعلنة قانونيًا، مثل هواتف العمل والوثائق البرلمانية ومدخراتها الشخصية.

بيان مشترك وتصاعد الشكوك

سبقت هذه المداهمات بيانًا مشتركًا صادرًا عن الحزب الوطني الأوكراني وحزب “سابو”، أعلنا فيه عن إبلاغهما السلطات بشكوكهما حول قيام تيموشينكو بتقديم مزايا غير قانونية لأعضاء البرلمان. ووفقًا للتحقيق، فقد بدأت تيموشينكو في التفاوض مع نواب فرديين لإرساء آلية منهجية لتقديم هذه المزايا مقابل تأييدها في التصويتات البرلمانية، وذلك بعد اكتشاف وقائع تلقي نواب أوكرانيين لمبالغ مالية مقابل تصويتهم على مشاريع قوانين معينة في ديسمبر 2025.

وأشار البيان إلى أن هذه الاتفاقات لم تكن لمرة واحدة، بل كانت “آلية تعاون منتظمة تنطوي على دفعات مسبقة ومصممة لفترة طويلة”. كما كشف عن أن النواب كانوا يتلقون تعليمات بشأن كيفية التصويت، وفي بعض الحالات، حول كيفية الامتناع عن التصويت أو عدم المشاركة فيه.

الأدلة المنشورة وتداعياتها

نشر الاتحاد الوطني لنقابات العمال ومكتب المدعي العام تسجيلاً مصوراً يضم مقاطع مسجلة للترتيبات المزعومة ولقطات من عملية التفتيش. وعلى الرغم من عدم وضوح ملامح الشخص الظاهر في الفيديو، إلا أن تسريحة شعره المميزة جعلت من السهل التعرف عليه على أنه يوليا تيموشينكو.

بالإضافة إلى ذلك، نشر المكتب الوطني لمكافحة الفساد ما وصفها بتعليمات مزعومة أرسلتها تيموشينكو إلى أحد النواب، تأمره بالتصويت لصالح إقالة ثلاثة مسؤولين كبار، وهم: رئيس جهاز الأمن الأوكراني فاسيل ماليوك، ووزير الدفاع دينيس شميهال، ووزير التحول الرقمي ميخائيلو فيدوروف. كما طالبت النائب بالتصويت ضد تعيين فيدوروف وزيرًا للدفاع، وشميهال وزيرًا للطاقة، ودينيس ماسلوف وزيرًا للعدل.

رد فعل وزير الدفاع وتأكيد على مكافحة الفساد

جاءت هذه التفاصيل بعد يوم واحد من تعيين البرلمان الأوكراني لميخائيلو فيدوروف وزيرًا للدفاع. وقد أصدر فيدوروف بدوره بيانًا شديد اللهجة أكد فيه أن “مكافحة الفساد هي أساس وزارة الدفاع الجديدة”، واصفًا كل من يسرق في زمن الحرب بأنه “عدو”. هذا البيان يعكس التصميم القوي على استئصال الفساد من المؤسسات الحكومية، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

خلفية الاتهامات وتوقيت الإعلان

تأتي هذه المداهمات والاتهامات بعد أسبوعين من إعلان هيئات مكافحة الفساد في 27 ديسمبر/كانون الأول 2025، عن كشفها شبكة إجرامية تضم نوابًا تلقوا أموالًا مقابل أصواتهم في البرلمان. هذا يشير إلى أن السلطات الأوكرانية تواصل جهودها الحثيثة لتطهير الحياة السياسية من الفساد، وأنها لا تتردد في استهداف أي شخص متورط في هذه الممارسات، بغض النظر عن منصبه أو نفوذه.

تيموشينكو تتهم بالتسييس وتلمح إلى الانتخابات

ردت يوليا تيموشينكو على الاتهامات عبر منشور على فيسبوك، حيث وصفت إجراءات التحقيق بأنها “ما يسمى بإجراءات التحقيق العاجلة” و”لا علاقة لها بالقانون أو العدالة”. وأضافت أن هذه الاتهامات تأتي في توقيت مريب، وتلمح إلى أن الانتخابات قد تكون قريبة، وأن هناك من يسعى إلى تصفية المنافسين السياسيين. هذه التصريحات تثير تساؤلات حول الدوافع السياسية المحتملة وراء هذه الاتهامات.

مستقبل التحقيقات وتأثيرها على المشهد السياسي

يوليا تيموشينكو شخصية بارزة في السياسة الأوكرانية، حيث شغلت منصب رئيسة وزراء أوكرانيا في عام 2005، ومرة أخرى من 2007 إلى 2010. ويحتل حزبها “باتكيفشينا” حاليًا 25 مقعدًا في البرلمان الأوكراني. لذلك، فإن هذه الاتهامات لها تأثير كبير على المشهد السياسي في البلاد، وقد تؤدي إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى.

من المتوقع أن تستمر التحقيقات في هذه القضية، وأن يتم الكشف عن المزيد من التفاصيل في الأيام والأسابيع القادمة. وسيكون من المهم متابعة هذه التطورات عن كثب، وتقييم تأثيرها على الاستقرار السياسي والاقتصادي في أوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه القضية تمثل اختبارًا حقيقيًا لالتزام أوكرانيا بمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة في جميع مؤسسات الدولة.

في الختام، تظل قضية اتهام يوليا تيموشينكو بالرشوة قضية معقدة ومثيرة للجدل، تتطلب تحقيقًا دقيقًا ونزيهًا. ويبقى الأمل معلقًا على أن تسهم هذه الجهود في بناء أوكرانيا أكثر عدلاً وشفافية، وقادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version