مع كل منخفض جوي يضرب لبنان، يزداد القلق في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة بيروت. فالشتات هنا ليس مجرد غياب الوطن، بل هو تحدٍ يومي للبقاء في مساكن هشة مهددة بالانهيار. هذا المقال يسلط الضوء على معاناة مخيم شاتيلا مع حلول الشتاء، والأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكانه، والبحث عن حلول مستدامة لهذه الأزمة المتفاقمة.

الشتاء في شاتيلا: موسم القلق والرعب

الشتاء في مخيم شاتيلا ليس مجرد أمطار ورياح، بل هو موسم مفتوح من القلق والخوف. المنازل المتآكلة، والجدران المتشققة، والأسقف المتهالكة تتحول إلى مصدر رعب دائم لسكان المخيم. في الأزقة الضيقة، لا تغسل الأمطار الأوساخ فحسب، بل تكشف عن هشاشة البنية التحتية وتدهورها المستمر.

يقول اللاجئ الفلسطيني خالد حسن: “كل موسم مطر يعيد إلى الواجهة حجم المأساة التي نعيشها. البيوت لم تعد صالحة للسكن، المياه تتسرب إلى الداخل، والأسقف تتآكل. حياتنا معاناة يومية لا تنتهي.” ويضيف أن الخوف لم يعد مقتصراً على غزارة الأمطار، بل أصبح مرتبطاً بالعيش في مكان مهدد بالانهيار في أي لحظة. “قد يسير الإنسان في الطريق وفجأة تسقط عليه حجارة من أحد البيوت المتهالكة. النهاية قد تأتي بلا إنذار.”

حوادث متكررة وغياب الاستجابة

هذا القلق لا يقتصر على الشعور، بل يتجسد في حوادث متكررة داخل المخيم. يستعيد وتار، أحد سكان شاتيلا، حادثة وقعت مؤخراً، قائلاً: “انهار الدرج الخامس في أحد المباني بسبب تسرب المياه المالحة، وسقط فوق أحد الشبان، ما أدى إلى إصابته ونقله إلى المستشفى.”

ورغم خطورة الحادث، يؤكد وتار أنه لم تتحرك أي جهة معنية لمعالجة الأضرار. “لم تأت الأونروا، ولم تتحرك اللجان الشعبية، ولم تبادر أي جهة مسؤولة.” التدخل الوحيد جاء من الدفاع المدني اللبناني والفلسطيني، اللذين عملا على تدعيم المبنى وإغلاقه بسبب خطورته، مما أجبر السكان على إخلاء منازلهم.

“خرجت العائلات من بيوتها تحت المطر، دون أي بديل أو مأوى”، يصف وتار الوضع المأساوي. بعد يومين، اضطر الأهالي إلى جمع المال من جيوبهم الخاصة وهدم الدرج المتضرر وإعادة بنائه بأنفسهم. ويتابع: “لم يسأل أحد عن مصير العائلات التي تشردت، لا الفصائل، ولا الأونروا، ولا أي جهة معنية، وذلك في ذروة فصل الشتاء.”

أوضاع المخيمات الفلسطينية: أزمة متراكمة

لا تقتصر المعاناة في مخيم شاتيلا على حالات فردية، بل هي تمثل صورة مكثفة لواقع المخيمات الفلسطينية في الشتات، كما تؤكد أمل العكر. “هذه ليست معاناتي وحدي، بل معاناة المخيم بأكمله. العبء الأكبر يقع على العائلات التي تتهاوى منازلها فوق رؤوسها، وعلى الأطفال الذين ينامون تحت أسقف مهددة بالانهيار.”

تشير العكر إلى أن معظم المنازل شيدت من مواد هشة لا تقوى على الصمود أمام الرطوبة والأمطار، مما يجعل الخطر دائماً ومتجدداً. وتضيف أن مطالب السكان لا تتجاوز الحد الأدنى من مقومات الأمان: “نريد فقط من يقف إلى جانب الناس الذين تتساقط بيوتهم يوماً بعد يوم.”

الخوف من المطر: واقع مرير للأطفال

أم محمد، وهي لاجئة فلسطينية وأم لأربعة أطفال، تصف كيف تحول المطر إلى مصدر رعب لأطفالها. “مع سقوط الأمطار لا ننام، نقضي الليل نراقب السقف والجدران، وكل صوت نسمعه نعتقد أن البيت سينهار.”

وتضيف أن الرطوبة غزت كل تفاصيل الحياة اليومية: “الفرش مبللة، الجدران سوداء من العفن، والأطفال يمرضون باستمرار، لكن لا قدرة لنا على الترميم أو الانتقال.”

تهديد متزايد: قنابل موقوتة

أبو أحمد، وهو مسن يقيم في المخيم منذ عقود، يروي كيف تحول ضيق المكان إلى خطر قاتل. “الأزقة ضيقة، والمباني متلاصقة، وإذا انهار بيت واحد قد يجر خلفه بيوتاً أخرى.”

ويشير إلى أن معظم الأبنية شيدت دون أي معايير سلامة، ومع مرور السنوات وتسرب المياه، “أصبحت كالقنابل الموقوتة.” ويضيف: “نعيش هنا منذ عشرات السنين، لكننا لم نر يوماً خطة حقيقية لحماية الناس، كل شتاء ننتظر الكارثة.”

دور الأونروا والجهات المعنية: تساؤلات ملحة

تعكس مشاهد الشتاء في مخيم شاتيلا أزمة أعمق من مجرد أضرار موسمية. إنها تكشف عن تراكم طويل لسياسات الإهمال وغياب المعالجات الجذرية لأوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان. المساكن التي شيدت في الأصل كحلول مؤقتة تحولت، مع مرور العقود، إلى كتل إسمنتية متهالكة تفتقر إلى أدنى معايير السلامة، في ظل اكتظاظ سكاني وضيق جغرافي وقيود قانونية.

تثير هذه الأوضاع تساؤلات ملحة حول دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وقدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ، في وقت يشكو فيه اللاجئون من تراجع مستوى الخدمات وشح الموارد. كما تسلط الضوء على غياب التنسيق الفعال بين الجهات المعنية، من مؤسسات رسمية ولجان شعبية وفصائل فلسطينية، مما يترك العائلات في مواجهة مصيرها مع كل منخفض جوي. إن إيجاد حلول دائمة لـ الظروف المعيشية في مخيم شاتيلا يتطلب تضافر الجهود وتوفير الدعم اللازم لضمان حياة كريمة وآمنة للاجئين الفلسطينيين.

الكلمات المفتاحية: معاناة مخيم شاتيلا، الظروف المعيشية في مخيم شاتيلا، الأونروا و مخيم شاتيلا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version