منذ احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، يشهد الوجود المسيحي في المدينة المقدسة تضييقًا مستمرًا واعتداءات متكررة تطال الأفراد والمقدسات. هذا التدهور في الأوضاع يثير قلقًا بالغًا لدى المؤسسات الكنسية والحقوقية، ويؤكد الحاجة الماسة إلى حماية المسيحيين في القدس وضمان حرية ممارسة شعائرهم الدينية. هذه المقالة تستعرض بالتفصيل هذه الاعتداءات المتصاعدة، وأبعادها التاريخية والسياسية، والجهود المبذولة لوقفها.
تاريخ طويل من الاعتداءات على المسيحيين في القدس
لم تكن الاعتداءات على المسيحيين في القدس مجرد أحداث عابرة، بل هي نمط متكرر ومتصاعد يعود إلى ما قبل عقود. تشير وثائق اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين إلى وجود توثيق دقيق لهذه الممارسات منذ عام 1967، وتصاعد حدتها بشكل خاص في السنوات الأخيرة. يعكس هذا التسلسل الزمني طبيعة منهجية للاعتداءات، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراءها والجهات المستفيدة منها.
الاعتداءات المبكرة بعد عام 1967
بدأت الاعتداءات مباشرة بعد احتلال القدس، حيث تحول كنيسة مار جريس للروم الأرثوذكس إلى مبنى سكني في عام 1967. تبع ذلك سلسلة من عمليات السلب والتدنيس، مثل استهداف كنيسة القيامة في نهاية الستينيات وسرقة مجوهرات وتاج السيدة العذراء. كما شهدت فترة السبعينيات اقتحام بطريركية الأقباط والاعتداء على الرهبان، بالإضافة إلى إحراق المركز الدولي للكتاب المقدس.
تصاعد العنف في التسعينيات والألفية الجديدة
شهدت تسعينيات القرن الماضي تصعيدًا ملحوظًا في الاعتداءات، مع عمليات هدم مباشرة لكنائس مثل دير الروم الأرثوذكس عام 1992. كما تكررت محاولات إضرام النار في كنيسة الجثمانية، ووقعت حوادث قتل طالت رجال الدين، وهو ما حدث مع راهب في كنيسة الشيّاح عام 1998. استمرت الاعتداءات في العقد الأول من الألفية الجديدة، مع كتابة شعارات مسيئة على جدران الكنائس، وحرق كنيسة جبل صهيون عام 2015.
الاعتداءات المتصاعدة منذ عام 2023
شهدت السنوات الأخيرة، وخاصة منذ عام 2023، تدهورًا حادًا في الأوضاع، حيث اتخذت الاعتداءات طابعًا أكثر تنظيمًا وعنفًا. في عام 2023، تم اقتحام كنيسة حبس المسيح وتخريب محتوياتها، في حين تعرضت بطريركية الأرمن لمحاولات اقتحام واعتداءات لفظية وجسدية على الرهبان. كما تم تدنيس المقابر البروتستانتية، واقتحام مجمعات الكنائس الأرثوذكسية في جبل صهيون بتهم باطلة.
القيود على الوصول إلى الأماكن المقدسة
لم تقتصر الاعتداءات على العنف والتخريب، بل امتدت لتشمل فرض قيود مشددة على وصول المسيحيين في القدس إلى الأماكن المقدسة. ففي عام 2024، مُنع مسيحيو الضفة الغربية من الوصول إلى القدس للمشاركة في احتفالات أحد الشعانين. وخلال احتفالات سبت النور في عام 2025، أعاقت شرطة الاحتلال وصول المصلين إلى كنيسة القيامة. كما تم منع القاصد الرسولي وسفير الفاتيكان من دخول كنيسة القيامة، وهو ما يعتبر سابقة دبلوماسية.
التضييق المالي والإداري
إضافة إلى ذلك، تعرضت المؤسسات الكنسية لتضييق مالي وإداري كبير. فقد أصدرت بلدية الاحتلال قرارات بحجز أملاك البطريركية الأرمنية بدعوى ديون الأرنونا، وجمدت الحسابات البنكية للبطريركية الأرثوذكسية، وفرضت ضرائب مرتفعة على ممتلكاتها. وفي يناير 2026، اضطرت 12 مدرسة مسيحية في القدس إلى تعليق دوامها بسبب رفض سلطات الاحتلال إصدار تصاريح دخول لمعلميها من الضفة.
الدوافع والمساءلة
يُرجع العديد من المراقبين الدوافع وراء هذه الاعتداءات إلى التطرف الديني والسياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي للقدس. فالعقيدة اليهودية المتطرفة غالبًا ما تعتبر المسيحيين في القدس “عبدة أوثان” وتنبذ المسيحية، وهو ما يترجم إلى أفعال عدوانية وتخريبية. بالإضافة إلى ذلك، فإن سياسات الحجز والضرائب والقيود المفروضة على حرية الحركة تساهم في تضييق الخناق على الوجود المسيحي في المدينة.
من المهم التأكيد على أن المساءلة القانونية عن هذه الاعتداءات غالبًا ما تكون غائبة أو محدودة، مما يشجع على تكرارها. ويطالب المراقبون بإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع حوادث الاعتداء، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير الحماية اللازمة للمقدسات والمسيحيين.
جهود الحماية والدعم
تبذل اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين جهودًا مكثفة لتوثيق هذه الاعتداءات والتحذير منها. كما تخاطب اللجنة قادة الكنائس والبطاركة في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية، داعية إلى ممارسة الضغوط على حكوماتهم لضمان حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. إلى جانب ذلك، هناك جهود دبلوماسية دولية تهدف إلى الضغط على إسرائيل لوقف هذه الممارسات والالتزام بحقوق المسيحيين. الدفاع عن الوضع المسيحي في القدس يتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية لضمان مستقبل مستدام للمسيحيين في هذه المدينة المقدسة.
ختامًا، الوضع الذي يواجهه المسيحيون في القدس مقلق ويتطلب تدخلًا عاجلاً. من خلال توثيق الاعتداءات وفضح الممارسات التضييقية، والضغط من أجل المساءلة والحماية، يمكننا المساهمة في الحفاظ على التنوع الديني والثقافي في القدس، وضمان مستقبل أفضل لجميع سكانها. ندعو الجميع إلى التضامن مع المسيحيين في القدس ودعم جهود حماية مقدساتهم وحقوقهم.


