في خطوة تاريخية قد تعيد رسم ملامح الأمن القومي الكندي، أطلق رئيس الوزراء مارك كارني استراتيجية صناعية دفاعية ضخمة، تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع وتقليل الاعتماد على الخارج. هذه الاستراتيجية، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تأتي في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وتساؤلات حول مستقبل التحالفات التقليدية، وتثير نقاشًا واسعًا حول قدرة كندا على التحول إلى قوة دفاعية أكثر استقلالية.
استراتيجية الصناعة الدفاعية الكندية: تحول تاريخي أم مجرد وعود؟
تعتبر هذه الخطة أكبر تحول دفاعي واقتصادي تشهده كندا الحديثة، حيث تسعى أوتاوا إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية قوية، قادرة على تلبية احتياجات القوات المسلحة الكندية وتأمين سلاسل التوريد. يرى كارني أن الاعتماد المفرط على الجغرافيا وعلى حلفاء تقليديين لم يعد خيارًا مستدامًا في عالم يزداد خطورة وتعقيدًا، مؤكدًا على ضرورة أن تكون كندا قادرة على حماية مصالحها وأمنها القومي بشكل مستقل.
دوافع الاستراتيجية: من التهديدات الجيوسياسية إلى فقدان الثقة
يعزو خبراء ومحللون دوافع تطوير هذه الاستراتيجية إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها تزايد المخاطر الجيوسياسية العالمية، وتراجع الثقة في الحماية الأمريكية التقليدية، وإدراك كندا أن الاعتماد على واشنطن وحده لم يعد كافيًا لضمان أمنها. يشير الأستاذ عادل إسكندر من جامعة سيمون فريزر إلى أن هذه الخطوة تعكس رغبة كندا في تعزيز سيادتها الوطنية وبناء قدرات دفاعية ذاتية، لتجنب البقاء رهينة قرارات الآخرين في مسائل الأمن القومي.
ردود الفعل المتباينة: بين مؤيد ومعارض
لم تخلُ هذه الاستراتيجية من الجدل والانتقادات. فقد انتقد زعيم المحافظين بيير بويليفر الخطة واصفًا إياها بأنها “مجرد كلمات رنانة” تفتقر إلى خطة عملية واضحة، داعيًا الحكومة الفدرالية إلى التركيز على تبسيط الإجراءات وتقليص البيروقراطية. في المقابل، رحبت شركة “سي إيه إي”، إحدى أبرز شركات الدفاع والطيران في كندا، بالخطة واعتبرتها خطوة أساسية لتعزيز سيادة كندا وازدهارها على المدى الطويل.
مرتكزات استراتيجية الصناعة الدفاعية الكندية
تستند استراتيجية الصناعة الدفاعية الكندية إلى خمسة مرتكزات أساسية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد:
تعزيز الإنتاج المحلي وتحديد الأولويات
تهدف هذه النقطة إلى إعطاء الأولوية للشركات والتصنيع الكندي في جميع مشتريات الدفاع الجديدة، مع التعاون مع الحلفاء الموثوق بهم عند عدم القدرة على الإنتاج المحلي. هذا التوجه يهدف إلى خلق فرص عمل جديدة ودعم الاقتصاد الكندي، بالإضافة إلى تقليل الاعتماد على الخارج.
تسهيل التصنيع وإزالة العوائق
تتضمن هذه المرتكزة إنشاء منتدى استشاري دفاعي دائم وتسريع إصدار التصاريح الأمنية للعاملين في القطاع، بهدف تسهيل عملية التصنيع وجذب الاستثمارات.
الابتكار والتوسع في التصدير
تعتمد هذه النقطة على الاستثمار في البحث والتطوير، ودعم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وإنشاء مراكز ابتكار متخصصة، بهدف تعزيز الابتكار الدفاعي وتوسيع نطاق التصدير. يشمل ذلك تخصيص ميزانية ضخمة بقيمة 4 مليارات دولار لمنصة دفاعية جديدة، واستثمار إقليمي بقيمة 379.2 مليون دولار.
حماية العمال وتأمين سلاسل التوريد
تهدف هذه المرتكزة إلى حماية العمال والصناعات الكندية، وتأمين سلاسل التوريد، من خلال إطلاق برنامج مرونة الصناعة الدفاعية وتطوير أجندة مهارات الدفاع لتدريب القوى العاملة.
التعاون الوطني وتطوير القطاع
تؤكد هذه النقطة على أهمية تعزيز التعاون مع المقاطعات والشعوب الأصلية، مع التركيز الخاص على المناطق الشمالية والقطب الشمالي، بهدف تطوير قطاع الدفاع بشكل شامل ومتكامل.
التحديات والتوقعات المستقبلية للاكتفاء الذاتي الدفاعي
على الرغم من الطموح الكبير لهذه الاستراتيجية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. يرى أستاذ الاقتصاد عاطف قبرصي أن إنتاج البضائع العسكرية مكلف للغاية وقد يأتي على حساب الإنتاج الاقتصادي المدني، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة كندا على تصدير إنتاجها العسكري. كما يرى إسكندر أن الاستقلال الدفاعي التام والفوري غير ممكن على المدى القريب، لكن الخطة الكندية تعتمد على مسارات متعددة لتقليص هذا الاعتماد تدريجيًا.
تتضمن الخطة رصد ميزانية ضخمة تبلغ 180 مليار دولار كندي لمشتريات دفاعية، و290 مليار دولار كندي في بنية تحتية متصلة بالدفاع والأمن على امتداد السنوات العشر المقبلة، بالإضافة إلى زيادة استثمارات الحكومة في البحث والتطوير المتعلق بالدفاع بنسبة 85%. تهدف هذه الاستثمارات إلى زيادة إيرادات صناعة الدفاع بأكثر من 240% وزيادة صادرات الدفاع بنسبة 50% وتوفير نحو 125 ألف وظيفة جديدة.
في الختام، تمثل استراتيجية الصناعة الدفاعية الكندية خطوة جريئة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع وتعزيز الأمن القومي. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب تنفيذًا فعالًا، وتغلبًا على التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، وبناء شراكات قوية مع الحلفاء الموثوق بهم. يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن كندا من تحويل هذه الرؤية الطموحة إلى واقع ملموس؟



