على وقع الترقب والانتظار، تحولت الشوارع اللبنانية إلى لوحات رمزية، أعلام الفاتيكان ترفرف إلى جانب العلم اللبناني، وتعلوها صور البابا روبرت بريفوست (ليو الـ14) محاطة بكلمة “السلام” التي تختصر ما ينشده هذا البلد المنهك. الزيارة البابوية إلى لبنان، التي بدأت عصر الأحد 30 نوفمبر 2025، ليست مجرد حدث ديني، بل هي رسالة أمل ودعم في لحظة حرجة يمر بها لبنان والمنطقة.
زيارة البابا ليو الـ14 إلى لبنان: رسالة أمل في زمن التحديات
الزيارة البابوية لا تأتي في توقيت عابر، بل في لحظة فارقة تشهد فيها البلاد توترا متصاعدا بفعل الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على جنوب لبنان، وقلقا واسعا من احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة بعد عام على حرب خلفت جراحا عميقة في الأمن والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. من مطار رفيق الحريري الدولي، بدأ البابا ليو الـ14 زيارته التاريخية التي تستمر حتى 2 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وتتوزع بين لقاءات رسمية وإنسانية. وتشمل استقبالا رسميا في القصر الجمهوري من الرئيس العماد جوزيف عون، وقداسا حاشدا في وسط بيروت يُتوقع أن يشارك فيه أكثر من 120 ألف شخص، إضافة إلى وقفة صامتة في مرفأ بيروت للصلاة على أرواح ضحايا انفجار 4 أغسطس/آب 2020.
الاستعدادات اللوجستية والأمنية للزيارة البابوية
كشفت اللجنة التنظيمية للزيارة عن تفاصيل الاستعدادات اللوجستية والأمنية، مؤكدة أن 21 طلقة مدفعية أطلقت عند وصول البابا، وأن أكثر من 1350 إعلاميا من داخل لبنان وخارجه يتولون تغطية الحدث. كما دعت المشاركين في القداس إلى الحضور منذ ساعات الصباح الأولى لضمان التنظيم الأمثل. هذه الاستعدادات تعكس أهمية الزيارة ليس فقط للبنان، بل للمنطقة بأسرها.
أهمية الزيارة البابوية في السياق اللبناني والإقليمي
تأتي الزيارة البابوية في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أصعب مراحله على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويبحث فيه عن جرعة دعم معنوي. الوضع الاقتصادي المتردي، والانقسامات السياسية العميقة، والتهديدات الأمنية المتزايدة، كلها عوامل تجعل هذه الزيارة ذات أهمية خاصة.
لبنان ليس دولة منهارة: إشارة إلى الفاتيكان
يقول الكاتب والصحفي أنطوان سعد إن الدول الفاشلة، أو تلك التي يكتنف مستقبلها الغموض، تتفادى الشخصيات الكبرى زيارتها، وفي مقدمتها بابا الكنيسة الكاثوليكية. ويستشهد بأن لبنان مرّ بمراحل سياسية مضطربة شهد خلالها انحسارا واضحا في زيارات القادة والشخصيات الدولية. لكن هذه الزيارة، بحسب سعد، ترسل إشارة واضحة إلى الفاتيكان بأن لبنان، رغم أزماته، ليس دولة منهارة كما يروج البعض، بل دولة لا تزال قادرة على مواجهة التحديات الثقيلة التي تعترضها.
رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية
الزيارة تحمل دلالات أخرى، أبرزها التأكيد أن لبنان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للاعتداءات أو لتجاذبات إقليمية ودولية. الرسالة موجهة إلى مختلف الأطراف لوقف محاولات الضغط والسيطرة ودفع البلاد نحو مسارات لا طاقة لها بها. هذا التأكيد على سيادة لبنان واستقلاله يمثل جزءًا أساسيًا من رسالة الزيارة البابوية.
نظرة تحليلية للزيارة البابوية إلى لبنان
يرى المحلل السياسي سركيس نعوم أن زيارة البابا تُعد الأولى له إلى الشرق الأوسط بعد تركيا، مشيرا إلى أن لبنان يشكل اليوم مركز الثقل في جولته. ويضيف أن اللبنانيين بكل طوائفهم يرحبون بها، لتعويلهم دائما على دور الفاتيكان في تثبيت السلام أو السعي إلى استعادته حين يتعثر.
طابع استطلاعي أم مبادرة عملية؟
يعتقد نعوم أن الزيارة قد تحمل طابعا استطلاعيا أكثر منه عمليا، فـ”الفاتيكان في هذه اللحظة لا يبدو قادرا على اتخاذ خطوات مباشرة تجاه لبنان”. لكنه يعتبر أن البابا سيستمع إلى مختلف المكونات اللبنانية، ويتعرف إلى واقع البلاد وحجم التفاعل الشعبي معه، ويطلع على الملفات المرتبطة بالطوائف والقوى السياسية. هذا الاستماع والتفهم العميق للواقع اللبناني قد يمهد الطريق لمبادرات مستقبلية.
دور الفاتيكان في الملف اللبناني
يؤكد نعوم أن للبابا والفاتيكان تأثيرا مهما، وأن الشبكة الواسعة للسفارات البابوية في العالم تمد روما بكم كبير من المعلومات الدقيقة، ما يجعلها على اطلاع دائم على تفاصيل الملفات، ومنها الملف اللبناني. لكنه يشير إلى أن دور الفاتيكان يتطلب تعاونا مع القوى الكبرى في المنطقة والعالم، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، للمساهمة في أي مسار حل.
لبنان: رسالة العيش المشترك والتعايش
يقول المحلل السياسي يوسف دياب إن الزيارة البابوية تحمل رمزية ودلالات سياسية وروحية في آن واحد، إذ تعيد التذكير بما وصفه البابا السابق يوحنا بولس الثاني بـ “لبنان الرسالة: لبنان العيش الواحد”. ويضيف أن الزيارة تأتي لتأكيد هذا التنوع الفريد وترسيخ فكرة أن لبنان بوابة للمنطقة نحو العالم، ومنبر للرسالات السماوية والثقافة والعيش المشترك. هذا التأكيد على التنوع والتعايش يمثل جوهر رسالة لبنان التي يسعى البابا إلى إحيائها.
نقطة التقاء وطنية
الزيارة مثلت نقطة التقاء نادرة بين اللبنانيين بجميع طوائفهم وأحزابهم، إذ توحدوا على تنظيم استقبال يليق بالبابا، في ظل تحسن ملحوظ في العلاقات الإسلامية المسيحية. هذا التوحد الوطني يمثل بصيص أمل في ظل الأزمات المتراكمة.
في الختام، الزيارة البابوية إلى لبنان ليست مجرد حدث ديني، بل هي رسالة أمل ودعم في لحظة حرجة. إنها فرصة لإعادة التأكيد على أهمية لبنان كرسالة للعيش المشترك والتنوع، ولبحث سبل الخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يعاني منها. نتمنى أن تكون هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار في لبنان. شارك هذا المقال مع أصدقائك وعبر عن رأيك في التعليقات!



