في جنوب لبنان، لم تعد القرى كما كانت، فكثير من المنازل أُقفلت أبوابها بعد نزوح سكانها، والطرقات التي كانت تعج بالحياة بدت خالية، بينما لا تزال بعض العائلات تقيم في البلدات الحدودية رغم الحرب، في حين تبقى فرق الإسعاف والدفاع المدني في حالة استنفار دائم، لأن الغارات الإسرائيلية قد تقع في أي لحظة. هذه الصورة القاتمة هي واقع يعيشه أهالي النبطية والقرى المحيطة بها، حيث أصبحت الحرب في جنوب لبنان جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية. وبينما تتصاعد المخاوف من توسع نطاق الصراع، يظل العمل الإنساني والإغاثي شعلة أمل في هذه المناطق المنكوبة.
استهداف المدنيين وتأثيره على الحياة اليومية
بدأت القصة من بلدة جبشيت الجنوبية، حيث استهدف الطيران الإسرائيلي مركز الهيئة الصحية الواقع في وسطها. هذا الاستهداف لم يكن حادثًا معزولًا، بل هو جزء من سلسلة غارات أدت إلى مقتل وإصابة العديد من المدنيين، وتسببت في نزوح جماعي للسكان. ورغم أن عددا كبيرا من السكان نزحوا بفعل الحرب، فإن بعض الأهالي فضّلوا البقاء، كما أن المحال التجارية المحيطة بالمركز ظلت مفتوحة لتلبية حاجات من تبقى منهم.
لحظة الاستهداف كانت صادمة، خاصة وأن المركز محاط بمحال تجارية تعود للسكان. وفي حديث لأحد المتطوعين في الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية من جبشيت، أوضح أن الغارة وقعت في ساعات الصباح، واستهدفت المركز الذي كان مخصصا لمساعدة الناس في البلدة والبلدات المجاورة. وأضاف أن الغارة تسببت في مقتل مواطنين وجرح 5 عناصر من الدفاع المدني، مشيرا إلى أن جبشيت تعرضت لنحو 8 غارات في يوم واحد، مما أدى إلى مقتل أكثر من 17 شخصا.
من بين الضحايا، عائلة كانت قد نزحت إلى مدينة جبيل بحثا عن مأوى، لكنها لم تجد مكانا للإقامة فيه، فاضطرت إلى العودة إلى جبشيت، حيث قُتل أفرادها لاحقا نتيجة القصف. هذه الحوادث المأساوية تؤكد على حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون في الجنوب اللبناني.
دور الدفاع المدني والإسعاف في ظل التصعيد
في هذه المناطق التي تقلصت فيها الحياة إلى حدها الأدنى، تتحرك سيارات الإسعاف بوصفها أحد مظاهر الحضور الإنساني القليل المتبقي. فحين تُشن غارة، تتجه هذه السيارات نحو المكان الذي يفر منه الآخرون، لإنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء. فرق الإسعاف والدفاع المدني تعمل على مدار الساعة، وتواجه تحديات كبيرة في ظل نقص الإمكانيات وتصاعد المخاطر.
من جبشيت إلى بلدة ميفدون في قضاء النبطية، وهي من البلدات التي لا يزال عدد كبير من سكانها موجودين فيها رغم الحرب. استهدفت غارة إسرائيلية ساحتها، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى. مسؤول الإطفاء والإسعاف علي رطيل شرح آلية الاستجابة الأولى للتعامل مع الغارات، موضحًا أن أول فريق يتحرك إلى الميدان، ويزود مركز القيادة بالمعلومات من الأرض.
خبرة المسعفين وتحديات العمل الميداني
أشار رطيل إلى أن المسعفين في الجنوب باتوا أكثر خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف، قائلا إن تجربة الحرب الأولى جعلتهم أكثر جاهزية نفسيا للتعامل مع الحالات الحرجة، رغم المخاطر الكبيرة التي ترافق كل مهمة إنقاذ. هذه الخبرة الميدانية ضرورية لتقديم الإغاثة في مناطق النزاع بشكل فعال وسريع.
في مدينة النبطية، تُدار عمليات الإنقاذ عبر غرف عمليات تنسّق بين الفرق المنتشرة في مختلف البلدات. قائد منطقة النبطية في الدفاع المدني (جمعية الرسالة) خضر غندور أوضح أن الفرق موزعة مسبقا على بلدات القضاء تحسبا لأي طارئ، وأن سيارات الإسعاف الموجودة في المركز الرئيسي تبقى في حالة جاهزية للإسناد.
وتتبع الفرق آلية دقيقة بعد وقوع أي غارة، إذ يتم الانتظار ما بين 7 إلى 10 دقائق قبل تحرك سيارات الإسعاف نحو الموقع المستهدف، وذلك بهدف تقليل الأخطار على الطواقم تحسبا لتكرار الغارات على المكان نفسه.
محاولة الاستمرار في ظل الظروف الصعبة
في بلدات الجنوب، نزحت كثير من العائلات إلى مناطق أخرى، بينما اختار البعض البقاء في قراهم رغم الخطر. أحد سكان المنطقة قال إن القرى لم تعد كما كانت، لكن الناس الذين بقوا فيها يحاولون الاستمرار في حياتهم اليومية قدر الإمكان، رغم القصف والخوف الدائم من الغارات.
وجود فرق الإسعاف والدفاع المدني يمنحهم شعورا بالأمان النسبي، لأنهم يعرفون أن هناك من سيتحرك فور وقوع أي استهداف. هذه الفرق تمثل شريان الحياة في هذه المناطق، وتقدم خدمات إنسانية حيوية للمدنيين المتضررين.
في نشرات الأخبار، غالبا ما تُختصر الغارات بأرقام الشهداء والمواقع المستهدفة، لكن خلف هذه الأرقام، هناك مسعفون يعملون في ظروف بالغة الخطورة. وبين جبشيت وميفدون والنبطية، تتكرر القصة ذاتها: غارة، فاستنفار، ثم سيارات إسعاف تشق طريقها نحو الخطر.
في تلك اللحظات، يصبح المسعفون أكثر من مجرد فرق طبية، إنهم خط الدفاع الإنساني الأول في بلدات تعيش تحت وطأة الحرب. وفي جنوب لبنان، حيث تقلّصت مظاهر الحياة الطبيعية، تبقى صفارات سيارات الإسعاف دليلا على أن من بقي هناك ما زال يقاتل لإنقاذ الأرواح، حتى في أكثر اللحظات خطرا. إن الوضع الإنساني في لبنان يتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية لتقديم الدعم اللازم للمتضررين، والعمل على تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.



