خلال شهر فبراير/شباط الماضي، تصاعدت انتهاكات القدس بشكل ملحوظ، مستهدفةً السكان الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المحتلة. ورغم حلول شهر رمضان المبارك، لم تشهد هذه الانتهاكات أي توقف أو تراجع، بل استمرت وتيرة التصعيد، مما يثير قلقاً بالغاً على مستقبل المدينة وهويتها. هذا المقال يسلط الضوء على أبرز هذه الانتهاكات التي وثقتها جهات معنية خلال الشهر المذكور، مع التركيز على اقتحامات الأقصى، والاعتقالات، والهدم، والقيود المفروضة على الوصول إلى المدينة.
تصاعد الاقتحامات والانتهاكات في المسجد الأقصى
شهد المسجد الأقصى المبارك خلال شهر فبراير/شباط الماضي زيادة ملحوظة في اقتحامات المستوطنين، حيث بلغ عدد المقتحمين 4882 مستوطناً. وقد أدوا خلال اقتحاماتهم كافة الطقوس التوراتية، في تحدٍ سافر لمشاعر المسلمين. وصل عدد المقتحمين إلى ذروته في 17 فبراير/شباط، عشية شهر عبري، حيث اقتحم 720 مستوطناً المسجد.
تغييرات في تعليمات الجبهة الداخلية وتأثيرها على الأقصى
مع التغيرات في تعليمات الجبهة الداخلية الإسرائيلية، عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، استغلت شرطة الاحتلال هذه التغييرات لطرد المصلين من المسجد الأقصى بحجة الالتزام بتعليمات “منع التجمهر”. هذا الإجراء يمثل استمراراً لمحاولات الاحتلال لفرض سيطرته على المسجد وتقييد حرية العبادة فيه.
مسارات اقتحام جديدة وتصعيد في الطقوس
انطلقت مسارات اقتحام جديدة للمستوطنين بالتنسيق مع شرطة الاحتلال، مما سمح لهم بالوصول إلى محيط قبة الصخرة المشرفة من جهتي الشمال والغرب. بالإضافة إلى ذلك، سمحت الشرطة بإدخال أوراق الصلوات الخاصة بالمستوطنين إلى ساحات الأقصى، مما يمثل تصعيداً خطيراً في الطقوس التوراتية داخل المسجد.
القيود على المصلين والاعتكاف في رمضان
مع حلول شهر رمضان، واصلت قوات الاحتلال انتهاكاتها، حيث طالبت جماعات الهيكل بفتح الأقصى أمام المستوطنين في العشر الأواخر من رمضان، وإلغاء القيود المفروضة على الاقتحامات المسائية. كما طالبت بمنع اعتكاف المصلين، الذي وصفته بـ “غير القانوني”، وضمان استمرار أداء الطقوس التوراتية كاملة خلال الشهر الفضيل.
تمديد ساعات الاقتحام وتضييق الخناق على المصلين
في قرار غير مسبوق، مددت الشرطة ساعات الاقتحام الصباحية للمسجد الأقصى، بدءاً من الساعة 6:30 صباحاً بدلاً من الساعة 7، وحتى الساعة 11:30 بدلاً من الساعة 11 صباحاً، مما أدى إلى تمديد فترة الاقتحام لساعة إضافية. كما منعت الشرطة إدخال وجبات الإفطار للصائمين ووجبات السحور لحراس المسجد.
الاعتقالات والهدم والإبعاد
لم تقتصر الانتهاكات في القدس على المسجد الأقصى، بل طالت أيضاً السكان الفلسطينيين في المدينة والضفة الغربية. فقد اعتقلت قوات الاحتلال 87 مواطناً في محافظة القدس، بينهم 6 قاصرين و6 نساء، وأصدرت 14 أمر اعتقال إداري بحق أسرى من المدينة. كما أصدرت أوامر ترحيل إلى غزة بحق الأسير المحرر محمد أحمد، والأسير محمد هلسة.
هدم المنازل وتصعيد في سياسات الإخلاء
نفذت قوات الاحتلال 38 عملية هدم في محافظة القدس، بينها 22 منشأة هُدمت بأنياب جرافات الاحتلال و16 هُدمت بأيدي أصحابها قسراً. ورغم الخطة التي وضعتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لشهر رمضان، تقرر عدم وقف سياسة هدم المنازل خلال هذا الشهر.
انتهاكات أخرى وتصعيد في الخطاب التحريضي
بالإضافة إلى ما سبق، شهدت القدس انتهاكات أخرى، مثل إغلاق جمعية برج اللقلق للعمل المجتمعي لمدة 6 أشهر، واعتداء مستوطنين على كنيسة الزيارة في عين كارم، وافتتاح القنصلية الأمريكية فرعاً لها في مستوطنة “إفرات”. كما طالب نائب بلدية الاحتلال أرييه كينغ بتدخل الجيش لتنفيذ قرار إخلاء مبنى “كلية تدريب قلنديا” التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
مستقبل القدس في ظل التصعيد المستمر
إن استمرار الوضع في القدس على هذا المنوال يثير قلقاً بالغاً على مستقبل المدينة وهويتها. فالتصعيد المستمر في الانتهاكات، والقيود المفروضة على حرية العبادة، والاعتقالات والهدم، كلها عوامل تهدد الاستقرار في المنطقة وتزيد من حدة الصراع. من الضروري التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وحقوق السكان الفلسطينيين في القدس. يجب على المجتمع الدولي التدخل الفوري لوقف هذا التصعيد وحماية المدينة المقدسة من التهويد والاعتداءات المستمرة.



