منذ وصولي إلى منطقة البحيرات، وتحديدًا أوغندا في البداية ثم الاستقرار في رواندا، كنت أتابع في الأخبار وخطابات السياسيين وتغريداتهم، تكرار الحديث عن خطاب الكراهية. يومها اعتقدت أن الأمر مرتبط بالذكرى الثلاثين للإبادة الجماعية بحق التوتسي، حيث وصلت إلى كيغالي قبيل الذكرى. مع مرور الوقت، ومع متابعة الأزمة في شرق الكونغو الديمقراطية، أيقنت أن الأمر يتجاوز مجرد أزمة سياسية، بل هو تراكم معقد من تبعات الاستعمار والانقسامات العرقية العميقة الجذور. التوتر المتصاعد في المنطقة، وتصريحات المسؤولين، كل ذلك يطرح أسئلة حاسمة حول مستقبل المنطقة.

تصريح مثير للجدل وإدانة واسعة

أثار تصريح للجنرال سيلفان إكينجي، المتحدث باسم الجيش الكونغولي، عاصفة من الغضب والإدانات على المستويين الإقليمي والدولي. فقد تحدث إكينجي في مقابلة تلفزيونية عن “الزواج بنساء التوتسي وما قد ينتج عنه”، في إشارة ضمنية تحمل تحاملًا عرقيًا، إضافة إلى وصفه لعرق التوتسي بـ “العرق الأسمى” بطريقة تبدو ساخرة ومهينة.

تسبب هذا التصريح في “تعليق عمل” إكينجي من قبل رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، مع التأكيد على أن هذه التصريحات “لا تعكس الموقف الرسمي للدولة”. ومع ذلك، لم يمنع ذلك ردود الفعل القوية من دول أخرى.

ردود الفعل الدولية على تصريحات الجيش الكونغولي

أعربت العديد من الدول عن إدانتها الشديدة للتصريحات، واصفة إياها بالـ “مشينة” و “الخطيرة”. وزير خارجية بلجيكا، ماكسيم بريفو، صدمته الشديدة من هذا الخطاب، مؤكدًا أن خطاب الكراهية يجب أن يُنبذ تمامًا. وأضاف أن الوئام الوطني لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التسامح والشمول.

من جانبها، انتقدت رواندا بشدة الحكومة الكونغولية، ووصف وزير الخارجية الرواندي، أوليفييه ندوهونجيريهي، نظام كينشاسا بأنه “ينزلق بسرعة نحو رعب يحمل طابع الإبادة الجماعية”. واتهم الحكومة الكونغولية بتبني “الوصايا العشر للهوتو”، وهي الأيديولوجية التي قادت الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا عام 1994.

جذور الانقسام العرقي في منطقة البحيرات

لكي نفهم عمق الأزمة، يجب علينا العودة إلى جذور الانقسام العرقي في المنطقة. يعود تاريخ هذا الانقسام إلى الحقبة الاستعمارية، حيث اتبعت السلطات الاستعمارية سياسة “فرق تسد” لتعزيز سيطرتها. قامت هذه السياسات بتصنيف السكان إلى مجموعات عرقية متميزة، مثل الهوتو والتوتسي، وتفضيل مجموعة على أخرى.

كما أوضح الأكاديمي الكونغولي ألكس مفوكا، “إن السياسة الاستعمارية أرست انقسامًا حادًا بين السكان وصنفتهم سكانا أصليين أو دخلاء. وقد وقع التوتسي الكونغوليون ضحية لهذه السياسة الإقصائية حيث بات يُنظر إليهم في الوعي المجتمعي كغزاة”. هذا التصنيف والتمييز خلّقا أرضًا خصبة لنمو الكراهية والصراع العرقي.

دور الاستعمار في تأجيج الصراع

كان للاستعمار دور فعال في تأجيج الصراع، ليس فقط من خلال التصنيف العرقي، ولكن أيضًا من خلال دعم وتفضيل بعض المجموعات العرقية على حساب الأخرى. هذا الدعم أدى إلى ترسيخ الانقسامات وتعميقها، وجعل من الصعب تحقيق المصالحة والوحدة بعد الاستقلال.

ويرى الباحث في الشأن السياسي البوروندي إينوسينت موهوزي أن “مسؤولية إرث التفرقة تقع على عاتق سلطات الاستعمار”. وأضاف أن السياسات البلجيكية تحديدًا خلال الحقبة الاستعمارية، كانت السبب في تعريف الناس لأنفسهم على أنهم “هوتو” أو “توتسي”.

الوضع الحالي وتأثير خطاب الكراهية على الأزمة

الوضع في شرق الكونغو الديمقراطية معقد ومتدهور، حيث تتصارع العديد من الجماعات المسلحة على السلطة والموارد. يمثل خطاب الكراهية خطرًا حقيقيًا على الأمن والاستقرار في المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي إلى تصعيد العنف وتفاقم الأزمة.

كما يشير مفوكا، فإن “وجود المجموعات المتصارعة داخل الكونغو الديمقراطية عزز الصور النمطية والتمييز المسبق ضد التوتسي”. وأن استخدام مصطلحات مثل “سكان أصليين” و “غزاة” ليس مجرد بناء نظري، بل هو “أيديولوجيا تحولت إلى أفعال دموية“.

إن انتشار خطاب الكراهية يهدد بتقويض جهود السلام والمصالحة التي تبذل في المنطقة، ويجعل من الصعب بناء مستقبل أفضل لجميع السكان. كما أنه يعيق جهود التنمية والتقدم الاقتصادي، ويؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية.

تداعيات أبعد: بوروندي والإبادة الجماعية في رواندا

لا يقتصر تأثير هذا الصراع على الكونغو الديمقراطية وحدها، بل يمتد ليشمل دول الجوار، مثل بوروندي ورواندا. يذكرنا الصراع بتداعيات الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا عام 1994، والتي تركت جروحًا عميقة في المنطقة.

ويؤكد موهوزي أن “فترات الاضطرابات تؤدي إلى تعزيز هذه الانقسامات. فحين يراق الدم لا يجد الناس خيارًا آخر سوى السير في الاتجاه ذاته الذي يفرضه السياسيون”. وهذا ما يزيد من خطر تكرار السيناريوهات المأساوية التي شهدتها المنطقة في الماضي.

الخلاصة: نحو مستقبل خالٍ من الكراهية

إن أزمة شرق الكونغو الديمقراطية هي تذكير مؤلم بأخطار الانقسام العرقي وخطاب الكراهية. يتطلب حل هذه الأزمة معالجة جذور المشكلة، من خلال تعزيز المصالحة الوطنية، وتفكيك الأيديولوجيات المتطرفة، وتعزيز التسامح والشمول.

من الضروري أن تتخذ الحكومات والمجتمع الدولي إجراءات حاسمة لوقف انتشار خطاب الكراهية ومحاسبة المسؤولين عنه. كما يجب على وسائل الإعلام أن تلعب دورًا مسؤولًا في تعزيز السلام والتفاهم، وتجنب نشر المعلومات المضللة التي تزيد من حدة التوتر.

إن بناء مستقبل خالٍ من الكراهية يتطلب جهودًا مشتركة من جميع الأطراف المعنية. يجب أن نعمل معًا لتعزيز الحوار والتفاهم، وبناء ثقافة السلام والتسامح. هذا هو السبيل الوحيد لكسر دائرة العنف وتحقيق الاستقرار والازدهار في منطقة البحيرات. شارك هذا المقال للمساعدة في نشر الوعي حول هذا الموضوع الهام.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version