في بلد يُفاخر بإرثه الحقوقي ومؤسساته الأمنية العريقة، حيث تعد الشرطة رمزًا للسلطة والنظام، تتكشف معاناة عميقة يعيشها آلاف من عناصر جهاز الأمن في فرنسا. بعيدًا عن الصورة الرسمية التي تقدم رجال الشرطة كحماة للسلطة التنفيذية والقانون، ظهرت ضغوط مهنية ونفسية وقانونية متزايدة وظروف عمل غير لائقة تجعل العمل الأمني في البلاد من أصعب المهن التي تواجه تحديات مستمرة لا تنتهي بانتهاء الدوام. هذه الأوضاع الصعبة دفعت النقابات الأمنية إلى الواجهة، مطالبةً الحكومة بالإجابة على سؤال ملح: من يحمي من يُفترض بهم حماية الآخرين؟ هذا المقال يسلط الضوء على التحديات التي تواجه الشرطة الفرنسية، الأسباب الكامنة وراءها، والحلول المقترحة.

الضغوط المتزايدة على عناصر الأمن في فرنسا

بعيدًا عن الواجهة البراقة، يواجه رجال الشرطة الفرنسيين واقعًا مريرًا يتسم بتزايد العنف والتهديدات. الاعتداءات على الشرطة أصبحت جزءًا من الروتين اليومي، سواء في الضواحي أو في مراكز المدن. تتنوع هذه الاعتداءات بين رشق الحجارة، والتهديد بالأسلحة البيضاء، والاعتداءات الجسدية، بل وتمتد لتشمل المهام الروتينية مثل مراقبة المرور أو التدخل في نزاعات عائلية.

انعدام الأمن وتأثيره النفسي

وفقًا للنقابات الأمنية، يشعر العديد من ضباط الشرطة بانعدام الأمن. آليس كاردييه، الناشطة اليمينية ومديرة منظمة “نيميسيس”، أشارت إلى أن عناصر الأمن يواجهون خطرًا متزايدًا من قبل دعاة التحرر من الاستعمار والجماعات التي تسعى إلى إطلاق سراح المتهمين، حتى لو كانوا مذنبين. هذا الشعور بالتهديد وعدم الحماية يترجم إلى أزمة صحية نفسية حادة. تشير التقارير النقابية إلى أن 39% من عناصر الأمن يعانون من ضيق نفسي مزمن، و65% منهم يتعرضون لتوترات ومواجهات مباشرة مع الجمهور.

أرقام مقلقة: الانتحار وتدهور الأوضاع

تُعد أرقام الانتحار بين صفوف الشرطة الفرنسية مؤشرًا صارخًا على حجم الأزمة. في عام 2019، سجلت أجهزة الشرطة حوالي 50 حالة انتحار، بزيادة تقدر بـ60% مقارنة بالعام السابق. وعلى مدى 25 عامًا، تجاوز عدد حالات الانتحار بين القوات الأمنية 1100 حالة، بمعدل 44 انتحارًا سنويًا. هذه الأرقام المروعة تدق ناقوس الخطر وتؤكد الحاجة الماسة إلى تدخل عاجل.

الاحتياجات المفقودة والمطالب النقابية

السكرتير الإقليمي لنقابة “سنيبات”، سيريل بينوا، سلط الضوء على الموارد التي يطالب بها الموظفون الإداريون والفنيون والعلميون في قطاع الأمن. هذه الموارد تشمل المعدات الأساسية في مراكز الشرطة، وغرف تبديل الملابس المناسبة، والملابس التي تلبي احتياجاتهم. بينوا أشار إلى أن بعض المراكز تفتقر إلى أبسط الأدوات مثل الطابعات النافثة للحبر، مما يضطر الموظفين إلى بذل جهد إضافي لإنجاز مهامهم. كما أشار إلى نقص في وسائل النقل وسيارات الشرطة الجديدة، وهو ما أدى إلى حظر العطل خلال دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024 بسبب عدم كفاية عدد الضباط.

ردود فعل حكومية ومبادرات محدودة

المدير العام للأمن الداخلي السابق، لوران نونيز، اعتذر عن المشاركة في مسيرة لدعم الشرطة، مبررًا ذلك بواجب الحياد كوزير للداخلية. ومع ذلك، أشار إلى أن الحكومة قد أنشأت ما يزيد عن 12 ألف وظيفة جديدة في قوات الأمن الداخلي منذ عام 2017، وتضاعفت قروض العقارات، وتم شراء 19 ألف مركبة جديدة. كما أعلن عن ميزانية إضافية بقيمة 100 مليون يورو وتوفير ألف وظيفة إضافية في جهاز الشرطة، بما في ذلك 700 وظيفة في السلطة القضائية.

الدعم السياسي والتحديات القانونية

شهدت مسيرة باريس لدعم الشرطة مشاركة شخصيات سياسية من أقصى اليمين، بينما غابت الأحزاب اليسارية التي اعترضت على التمثيل المفرط للأجانب في الجرائم. المتظاهرون رفعوا لافتات تطالب بحماية عناصر الشرطة وتحديد إطار قانوني واضح يحميهم أثناء أداء واجباتهم. على المستوى القانوني، يشعر العديد من العناصر بعدم الحماية الكافية عندما يتدخلون لأداء واجبهم، خاصة في حالات استخدام القوة، مما يؤدي إلى إجراءات قضائية طويلة قد تلاحق الشرطي حتى بعد براءته.

حق الدفاع عن النفس: جدل مستمر

الجمعية الوطنية رفضت مشروع قانون يهدف للاعتراف بحق الدفاع عن النفس لضباط إنفاذ القانون، وتم تعديل النص ليؤكد على “حق استخدام القوة بشكل مشروع”، وهو حق “يمكن دحضه في أي وقت بأي دليل يخالفه”. هذا التعديل أثار انتقادات واسعة من النقابات الأمنية التي اعتبرته غير كافٍ لحماية عناصر الشرطة.

مستقبل الأمن في فرنسا: نحو إصلاحات جذرية

إن التحديات التي تواجه الشرطة الفرنسية تتطلب إصلاحات جذرية وشاملة. هذه الإصلاحات يجب أن تعالج ليس فقط تبعات الأحداث، بل أيضًا الأسباب الجذرية للمشاكل، وتضمن بيئة عمل مناسبة وحماية قانونية واضحة لعناصر الأمن. من الضروري توفير الموارد اللازمة، وتحسين الظروف المعيشية، وتوفير الدعم النفسي، وتحديد إطار قانوني واضح يحمي عناصر الشرطة أثناء أداء واجبهم. بالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز الثقة بين الشرطة والمجتمع، وتشجيع الحوار والتواصل المفتوح. إن حماية من يُفترض بهم حماية الآخرين ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي ضرورة لضمان الأمن القومي وسلامة المجتمع الفرنسي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version