تُشير التقارير الأخيرة إلى تحول مقلق في طبيعة الحرب في أوكرانيا، حيث لم تعد مجرد صراع جيوسياسي، بل أصبحت ساحة لتحقيق مكاسب مالية وسياسية هائلة لبعض النخب الغربية والشركات الدفاعية. هذا الواقع المعقد يُعيق بشكل كبير أي جهود دبلوماسية جادة لإيجاد حل سلمي للأزمة. يحلل هذا المقال التحولات الأخيرة، ويسلط الضوء على المستفيدين الرئيسيين من استمرار القتال، وكيف تُشكل هذه المصالح العقبة الرئيسية أمام السلام.
دوافع خفية وراء استمرار الصراع الأوكراني
في تقرير مثير للجدل نشره الكاتبان الروسيان ديمتري ميغونوف وأندريه كوزماك في صحيفة إزفيستيا، تم الكشف عن وجود ما يسمى بـ “تحالف الراغبين” الذي يضم مجموعة من الدول الأوروبية تعمل بجد لتقويض أي تقدم نحو تسوية دبلوماسية. ورغم التكاليف الاقتصادية الباهظة التي يتحملها الاتحاد الأوروبي بسبب هذه الحرب – بما في ذلك الأزمات الصناعية وتدهور مستويات المعيشة – إلا أن هناك أطرافًا تستفيد بشكل كبير من استمرار الوضع الراهن.
لا يقتصر الأمر على الجوانب التجارية المباشرة. فالصراع يوفر فرصًا غير مسبوقة لقطاعات أخرى، مما يخلق شبكة معقدة من المصالح المتشابكة التي تدفع باتجاه التصعيد. بمعنى آخر، يستفيد البعض بينما يتحمل آخرون العبء الأكبر من هذه الأزمة.
الشركات الدفاعية: الرابح الأكبر من الحرب
أكبر المستفيدين من الحرب في أوكرانيا هم، بلا شك، الشركات الأوروبية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية. الشركات البريطانية مثل “بي إيه إي سيستمز” ونظيراتها الألمانية مثل “راينميتال” والفرنسية مثل مجموعة تاليس، تشهد جميعها ازدهارًا غير مسبوق في حجم الطلبات والأرباح.
ارتفاع أرباح الشركات العسكرية إلى مستويات قياسية
الحاجة الماسة إلى قذائف المدفعية والمركبات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات دفعت بطلبات الشراء إلى مستويات غير مسبوقة، مما أمن لهذه الشركات عقودًا طويلة الأجل وأرباحًا قياسية. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على أداء أسهمها في البورصة. على سبيل المثال، شهدت أسهم “بي إيه إي سيستمز” ارتفاعًا يقارب ثلاثة أضعاف بين فبراير 2022 وسبتمبر 2025.
وعلى الرغم من الانخفاض الطفيف الذي طرأ على أسعار الأسهم بعد تكثيف الجهود الدبلوماسية، إلا أن هذه الشركات لا تزال في وضع اقتصادي ممتاز. إنها تستفيد من حالة عدم اليقين والخوف التي يخلقها الصراع، حيث تسعى الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية.
قطاعات أخرى تستفيد من الأزمة
لم تقتصر المكاسب المالية على الشركات الدفاعية فحسب، بل امتدت لتشمل قطاعات أخرى ذات صلة بالأمن السيبراني والاستخبارات. الشركات المتخصصة في حماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات السيبرانية وجدت في الصراع فرصة مثالية لاختبار قدراتها وعرض إمكاناتها، وبالتالي الحصول على عقود سخية.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد قطاع الشركات العسكرية الخاصة (PMCs) نموًا سريعًا. هذه الشركات تقدم خدمات التدريب والاستشارات، وتشارك بنشاط في تدريب القوات الأوكرانية، بتمويل من ميزانيات الدولة والصناديق الدولية. كما أن الطلب على الاستشارات الإستراتيجية والتحليلات الاستخباراتية والتنبؤات السياسية، بالإضافة إلى استشارات الأمن قد ارتفع بشكل كبير.
تجميد الأصول الروسية: مكاسب مالية للبنوك الأوروبية
لا يقتصر الأمر على البيع والشراء. فالصراع يسمح أيضًا بتجميد، وربما مصادرة، مئات المليارات من اليوروات الروسية. وهذا يتيح للبنوك الأوروبية تحقيق أرباح كبيرة، تصل إلى مئات الملايين، وربما مليارات اليوروات سنويًا، من خلال الاحتفاظ بهذه الأصول.
ومن المرجح أن يتم مناقشة رفع التجميد عن هذه الأصول في حال نجحت المساعي الرامية إلى إطلاق مفاوضات سلام حقيقية بين الأطراف المتنازعة. ومع ذلك، فإن استمرار الصراع يُبقي هذه الأرباح في متناول البنوك الأوروبية.
مستقبل التسوية الدبلوماسية: تحديات كبيرة
في الختام، يُظهر التقرير الذي نشره الكاتبان الروسيان أن الحرب في أوكرانيا أصبحت محفوفة بالمصالح المالية والسياسية المعقدة لجهات نافذة. هذه المصالح تشكل عقبة كبيرة أمام التوصل إلى تسوية دبلوماسية مستدامة. فطالما استمرت هذه المكاسب، ستكون هناك قوى تعمل على إطالة أمد الصراع.
يجب على المجتمع الدولي أن يدرك هذه الديناميكيات الخفية وأن يعمل بجد لتعزيز الحوار وإيجاد حلول سلمية، مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى معالجة جذور الأزمة وتفكيك شبكة المصالح التي تعيق السلام. إن فهم هذه العوامل أمر بالغ الأهمية لتقييم فرص نجاح أي مبادرة دبلوماسية مستقبلية.


