في أعقاب الأحداث المأساوية التي شهدتها ولاية دارفور، وتحديداً الفاشر، شهدت منطقة الدبة في الولاية الشمالية بالسودان، استجابة إنسانية غير مسبوقة من قبل المجتمع السوداني. هذه الاستجابة، التي تجسدت في مبادرات مجتمعية واسعة النطاق، أظهرت تكاتفاً وتضامناً لافتين مع نازحي الفاشر، الذين اضطروا للنزوح بحثاً عن الأمان. هذه المبادرات لم تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل تعدتها إلى تعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية بين مختلف مكونات المجتمع السوداني.
مبادرة “البلد بلدكم” وتدفّق العطاء المجتمعي
بدأت القصة بفكرة بسيطة أطلقها الفنان محمد النصري، تحت عنوان “البلد بلدكم”، بهدف دعم نازحي الفاشر الذين وصلوا إلى الدبة. يقول النصري أن أحد جيرانه، عندما رأى تدافع الناس لتقديم المساعدة، لم يجد ما يتبرع به سوى موقد نار ليصنع عليه الطعام للوافدين. هذه اللفتة الإنسانية البسيطة كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل العطاء المجتمعي.
أهل شمال السودان تسابقوا في توفير احتياجات النازحين في معسكر أزهري المبارك بالعفاض في الدبة، لدرجة أربكت القائمين على أمر التكايا، حيث لم تكن هناك حاجة لإشعال النيران لأيام بسبب وفرة الطعام المتوفر من المبادرات المجتمعية. هذا التدفق الهائل من الدعم أظهر مدى التكافل الاجتماعي الذي يتمتع به الشعب السوداني في أوقات الأزمات.
قصص إنسانية ملهمة من قلب المعاناة
لم يقتصر الدعم على الطعام والشراب، بل تجسد في صور مؤثرة تعكس أصالة المجتمع السوداني. رجل سبعيني، رغم إعاقته الحركية، قطع عشرات الكيلومترات حاملاً تموراً للنازحين. شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة تبرع بسريره لنازح من الفاشر، مفضلاً راحته على راحته. أطباء من المنطقة أطلقوا مبادرة لتقديم العلاج داخل المعسكر، بينما أصحاب المطاعم والكافتيريات وفروا وجبات جاهزة. حتى الحلاقون شاركوا بقص شعر الأطفال في المعسكر، في مبادرة تهدف إلى تخفيف معاناتهم وإضفاء بعض البهجة على حياتهم.
معسكر العفاض.. رمز للتضامن والتعاون
موسى عبد العزيز، وهو نازح من الفاشر ويعمل مشرفاً في معسكر العفاض، يؤكد أن المبادرات المجتمعية مستمرة بشكل دوري، وأحياناً تُنظَّم أربع مبادرات في اليوم الواحد لتوفير الطعام. ويضيف أن معسكر العفاض يضم عدداً من التكايا، لكنها غالباً ما تكون خالية بسبب وفرة الطعام القادم من أهل الولاية الشمالية. “نحن سعداء وممتنون للدعم الذي تلقيناه من جميع المبادرين والخيرين والمنظمات والمواطنين، الذين وقفوا معنا قلباً واحداً”، يقول موسى.
هويدا رمضان، المشرفة على التكايا في المعسكر، تؤكد أن المبادرات المجتمعية شكّلت إسناداً كبيراً للنازحين الذين يتزايد عددهم يومياً، من خلال توفير الوجبات من فطور وغداء، بالتنسيق مع القائمين على التكايا. وهذا التعاون الوثيق بين مختلف الجهات يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بشكل منتظم وفعال.
تعزيز الروابط الوطنية في ظل الأزمة
الفنان النصري يرى أن ما حدث لأهل الفاشر وكل دارفور من مجازر وانتهاكات ومصائب، حرّك الجميع في كل أنحاء العالم، وكان لزاماً علينا كإخوة وأبناء وطن واحد أن نبادر ونتحرك بمسؤولية لتقديم المساعدة. ويؤكد أن دعم أهل الشمال لمبادرات مساندة أهالي الفاشر أقنعهم بأن هناك قيماً أساسية لم تندثر بعد، مثل وقوف الناس بعضهم مع بعض. ويضيف أن من رسائل مبادرته أنها أثبتت لسكان الغرب عموماً أن أبناء الشمال يعتبرونهم إخوتهم، وليسوا مجرد نازحين.
استجابة قطر الخيرية والمبادرات المتوالية
الاستجابة الإنسانية العاجلة التي بادرت بها “قطر الخيرية” بتوفير الإيواء والغذاء لـ نازحي الفاشر في منطقة الدبة، كانت بمثابة نقطة انطلاق لسلسلة من المبادرات المجتمعية. “قطر الخيرية” أنشأت مخيم “قطر الخير” لإيواء النازحين، وتعتزم تنفيذ حزمة من التدخلات النوعية لتوفير حياة كريمة لهم.
الإعلامي الواثق عثمان، أحد أبناء محلية الدبة، يكشف أن أكثر من 70 قرية قدمت الطعام والملابس والأغطية والأواني المنزلية والتمور، حيث تصل إلى المعسكر يومياً من 3 إلى 4 قرى أحياناً، لتعلن تكفلها بتوفير وجبات اليوم التالي. مبادرات من المناصير بولاية نهر النيل، ومنطقة أمري، وقرية السليم في محلية دنقلا، وغيرها، جاءت محمّلة بالمواد الغذائية واحتياجات النازحين المختلفة.
السودان وطن واحد.. رسالة واضحة
مراقبون يرون أن اختيار أهل الفاشر النزوح نحو منطقة الدبة، ومناطق سيطرة الجيش، رغم قرب مناطق ومدن دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، يُفنّد ويهزم كل الدعاوى العنصرية التي تعالت في الفترة الماضية. الفنان النصري يؤكد أن ميزة السودان تكمن في تنوعه وتعدّد ألوانه، وأن وقوف جميع أصحاب المبادرات لدعم أهل الفاشر يحمل رسائل قوية لبعض من يغردون خارج سرب الوطنية الحقيقية، بالدعوة للانفصال وبثّ العنصرية.
وفي الختام، فإن الاستجابة الإنسانية التي شهدتها الدبة لدعم نازحي الفاشر هي نموذج يحتذى به في التضامن والتعاون المجتمعي. هذه المبادرات لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل تعزز الروابط الوطنية وتؤكد أن السودان وطن واحد، يجمع بين أبنائه على المحبة والتآخي، حتى في أحلك الظروف. إنها قصة تستحق أن تُروى وتُخلّد، لتكون نبراساً للأجيال القادمة، ومثالاً يحتذى به في الإنسانية والتكافل الاجتماعي.



