في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أثار الكاتب سيرج شميمان تساؤلات جوهرية حول مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة، “مجلس السلام”، واصفًا إياها بأنها تحمل أوجه تشابه مقلقة مع أساليب الدعاية التي كانت تتبعها الأنظمة الشمولية في الماضي. يركز المقال على تحليل دوافع ترمب الحقيقية وراء هذا المجلس، وما إذا كان يمثل بالفعل التزامًا حقيقيًا بالسلام أم مجرد أداة دعائية جديدة. هذا التحليل يثير جدلاً هامًا حول مستقبل الدبلوماسية الدولية ودور الولايات المتحدة فيها.
“مجلس السلام” لترامب: صدى من الماضي السوفيتي؟
أعرب شميمان عن قلقه العميق بشأن أوجه التشابه بين “مجلس السلام” الذي أنشأه ترمب، والذي أعيد تسميته لاحقًا إلى “معهد دونالد ج. ترامب للسلام”، وبين المؤسسات الدعائية التي كانت موجودة في الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. ففي حين أن هذه المؤسسات السوفيتية، مثل “مجلس السلام العالمي” و”صندوق السلام السوفياتي”، كانت تُقدم على أنها تعبير عن التزام بالسلام، إلا أنها كانت في الواقع أدوات دعائية لتجميل صورة النظام القمعي في موسكو وتمويل حركات تخدم مصالحها السياسية.
تجربة شخصية في ظل الدعاية السوفيتية
استند شميمان في تحليله إلى تجربته الشخصية في الاتحاد السوفيتي، حيث كان شعار “السلام” جزءًا أساسيًا من الخطاب الرسمي، على الرغم من الطبيعة العسكرية والقمعية للنظام. يوضح الكاتب أن هذه المؤسسات لم تكن تعكس رغبة حقيقية في تحقيق السلام، بل كانت وسيلة لإخفاء الأجندات الخفية للنظام وتعزيز صورته أمام العالم.
الدفع مقابل المقعد: نموذج تجاري للدبلوماسية؟
أشار المقال إلى أن “مجلس السلام” الجديد يبدو للوهلة الأولى كمبادرة نبيلة لإعادة إعمار غزة وتحقيق الاستقرار في المنطقة، بعد الدمار الهائل الذي خلفته “حرب الإبادة الجماعية” كما وصفها المقال. ومع ذلك، يرى شميمان أن المجلس يفتقر إلى ميثاق عمل واضح، ويعتمد على مبدأ “الدفع مقابل المقعد”، حيث تصل تكلفة العضوية الدائمة فيه إلى مليار دولار.
هذا التوجه، بحسب شميمان، يحول الدبلوماسية الدولية من ساحة للتوافق العالمي إلى نموذج تجاري يخدم مصالح الرئيس ترمب وتوجهاته الشخصية. وهذا ما يفسر رفض العديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين الانضمام إلى هذا التشكيل المثير للجدل، خشية أن يكون بديلاً عن مجلس الأمن الدولي.
لغة السلام المزدوجة: غطاء لنقيضها؟
يرى الكاتب أن ترمب يطالب علنًا بمنحه جائزة نوبل للسلام، مدعيًا أنه أنهى 8 حروب أو نزاعات، على الرغم من أن معظم هذه التسويات كانت مؤقتة أو لا ترقى إلى مستوى الحروب الحقيقية. وفي الوقت نفسه، شهدت إدارته عمليات عسكرية متعددة، من قصف إيران واليمن إلى التدخل في فنزويلا.
هذا التناقض الصارخ، بحسب شميمان، يجسد نمطًا أوسع من “اللغة المزدوجة” التي تميز الأنظمة السلطوية، حيث تُقدم السلطة المطلقة على أنها ديمقراطية، والقمع باعتباره عدالة، والحرب باعتبارها سلامًا. هذا التلاعب باللغة يهدف إلى تضليل الرأي العام وإخفاء الأجندات الحقيقية للنظام.
عبادة الفرد وتخليد الاسم
يقوم شميمان بمقارنة مباشرة بين “عبادة الفرد” في الاتحاد السوفيتي، خاصة في عهد ليونيد بريجنيف، حيث كان القائد يُمنح الأوسمة والجوائز وتُسمى المدن باسمه بينما يتداعى النظام من الداخل، وبين سعي ترمب لتخليد اسمه على كل شيء، من المطارات إلى المعاهد. يستغل ترمب وسائل إعلام متملقة تروج لنجاحاته المتخيلة، بينما يهاجم الصحافة الحرة التي تصف الواقع كما هو.
دعوة بوتين: فهم “قواعد اللعبة”
تطرق المقال إلى دعوة ترمب لنظيره الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المجلس، واصفًا إياه بأنه الأكثر قدرة على فهم “قواعد اللعبة”، لكونه خريج مدرسة الاستخبارات السوفيتية التي أتقنت استخدام السلام سلاحًا سياسيًا. هذه الدعوة تعكس، بحسب شميمان، فهمًا عميقًا لطبيعة الأنظمة السلطوية وقدرتها على التلاعب بالرموز والمفاهيم.
الخلاصة: حذر من لغة السلام الزائفة
يخلص شميمان إلى أن تاريخ الاتحاد السوفيتي يثبت أن الأنظمة السلطوية قد تنجح مؤقتًا في تسويق أوهامها، لكنها في النهاية تعجز عن الهروب من الحقيقة. ويحذر من أن لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها. إن مبادرة ترمب لتأسيس “مجلس السلام” ليست سوى مثال آخر على هذا النمط الخطير من التلاعب السياسي، الذي يهدد بتقويض أسس الدبلوماسية الدولية وإشعال المزيد من الصراعات. يجب على المجتمع الدولي أن يكون حذرًا من هذه المبادرات وأن يركز على بناء السلام الحقيقي، القائم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل. مبادرة السلام هذه، كما يراها الكاتب، تحتاج إلى تدقيق نقدي عميق. إن فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار العالمي وتعزيز الدبلوماسية الفعالة.



