في ظل التوتر المتصاعد بين طهران والدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) بعد تفعيل آلية الزناد في الاتفاق النووي لعام 2015، تكتسب زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باريس أهمية بالغة. هذه الزيارة تمثل محاولة حذرة لإنقاذ ما تبقى من قنوات الحوار، والسؤال المطروح هو: هل ستنجح هذه الجهود في إحداث اختراق في الجمود الذي يكتنف الملف النووي الإيراني وعلاقات طهران مع الغرب؟
لقاء باريس: اختبار لإرادة التفاهم
التقى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بنظيره الفرنسي، جون نويل بارو، في باريس يوم الأربعاء الماضي، في أول اجتماع من نوعه منذ تفعيل آلية الزناد في سبتمبر/أيلول. هذا اللقاء يمثل اختبارًا حقيقيًا لإرادة الأطراف المعنية في استكشاف أي مساحة ممكنة للتفاهم. تاريخ العلاقات الإيرانية الأوروبية مليء بالتقلبات، وهو ما يفسر الحذر والتفاؤل المحدود الذي يسود الأوساط السياسية في طهران. البعض يرى في هذه الزيارة “نافذة دبلوماسية ضيقة”، بينما يرى آخرون أن العقبات الهيكلية والتصعيد الإقليمي قد تهدم أي آمال في التقدم.
هوة واسعة في المواقف
على الرغم من تأكيد الجانبين على “ضرورة استمرار المشاورات لإزالة العقبات وتسهيل العلاقات”، إلا أن الزيارة كشفت عن وجود هوة واسعة في المواقف، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط. بيان طهران الختامي سلط الضوء على انتقاد عراقجي لأداء الدول الأوروبية الثلاث في مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ملقيًا عليهم مسؤولية تدهور الأوضاع.
كما أعرب الجانب الإيراني عن “قلقه العميق إزاء تزايد انتهاكات سيادة القانون على المستوى الدولي، وإضعاف المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وخاصة في منطقة غرب آسيا، واستمرار جرائم واعتداءات الكيان الصهيوني ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني وسائر دول المنطقة”. هذه التصريحات تعكس مدى تعقيد المشهد السياسي والإقليمي الذي يحيط بالمفاوضات.
العقبات الرئيسية أمام أي تقارب
يواجه أي تقارب محتمل بين إيران والغرب عدة عقبات رئيسية. يرى السفير الإيراني السابق، عبد الرضا فرجي راد، أن فرنسا لا تزال متمسكة بسياسة “التخصيب الصفري” لإيران، وهو أمر ترفضه طهران بشدة وتصر على حقها في برنامج نووي سلمي. هذا الخلاف الجوهري يتفاقم بسبب الضغوط الأميركية المستمرة على طهران، ورغبة واشنطن في التفاوض معها من موقع قوة.
ملف المواطنين الموقوفين
إحدى النقاط الإيجابية التي ظهرت خلال المباحثات كانت مسألة تبادل السجناء. هناك تقدم في ملف المواطنين الفرنسيين جاك باري وسيسيل كولير الموقوفين في إيران منذ عام 2022، مقابل المواطنة الإيرانية مهدية إسفندياري المعتقلة في باريس. هذا التبادل قد يمثل خطوة صغيرة نحو بناء الثقة بين الجانبين.
الدور الإقليمي والملف الأوكراني
بالإضافة إلى ذلك، يشير فرجي راد إلى أن الملف الأوكراني والتعاون العسكري الإيراني مع روسيا يشكلان بُعدًا خفيًا في توتر العلاقات مع باريس. مع تصاعد الأزمة الأوكرانية، تبرز لدى فرنسا دوافع إضافية للتواصل مع طهران، بهدف لعب دور مؤثر في المنطقة وخفض التوتر مع الغرب. ومع ذلك، فإن هذه الرغبة تصطدم بخلافات جوهرية حول البرنامج النووي الإيراني.
العامل الإسرائيلي
لا يمكن تجاهل العامل الإسرائيلي كعقبة رئيسية أمام أي تقارب إيراني غربي. تعتبر تل أبيب من أشد المعارضين لأي حوار بين القوى الغربية وطهران، وتستخدم نفوذها في الأوساط الغربية لإفشال أي تقدم دبلوماسي. هذا النفوذ يجعل من الصعب على الدول الأوروبية اتخاذ مواقف مستقلة تجاه إيران.
هل يمكن كسر الجمود؟
على الرغم من هذه التعقيدات، يرى البعض أن مباحثات باريس تمثل محاولة جادة لكسر الجمود في العلاقات، حتى وإن لم تكن انعطافة كبرى. هذه المباحثات قد تكون بمثابة “شرارة” تفتح نافذة ضيقة نحو أفق أوسع، خاصة وأن الجمود الحالي لم يعد مقبولاً من أي من الجانبين.
خطوة جريئة في بحر من المعارضة
يصف السفير الإيراني الأسبق في فرنسا، أبو القاسم دلفي، قرار الخارجية الإيرانية بفتح قناة للحوار مع الترويكا الأوروبية بأنه “خطوة جريئة”، خاصة في ظل المعارضة الشديدة من بعض الأطراف داخل إيران. هذه الخطوة تأتي في وقت تتعرض فيه طهران لعقوبات دولية وتواجه ضغوطًا متزايدة من الغرب.
دلفي يتساءل عن تداعيات قرار المقاطعة وإغلاق القنوات الدبلوماسية، وعن مساعي بعض القوى الغربية لتعميم القرارات الأممية بهدف عزل إيران. ويؤكد أن نجاح المسار الدبلوماسي مرهون بقدرة فرنسا على إقناع شركائها الأوروبيين والأميركيين بتبني منطق مختلف عن منطق العقوبات والتهديد.
مستقبل المفاوضات
في ظل صراع داخلي إيراني بين تيار متشدد يرفض التنازلات وتيار آخر يرى في الحوار ضرورة ملحة، يبقى مستقبل المفاوضات مع الغرب غامضًا. هل ستنجح هذه الجولة في كسر الجمود؟ أم أنها مجرد محطة أخرى في مسار التصعيد الممتد؟ الإجابة على هذا السؤال تتوقف على مدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة، وعلى قدرتها على تجاوز الخلافات الجوهرية التي تعيق التقدم. الوضع يتطلب حوارًا بناءً وواقعيًا، مع الأخذ في الاعتبار المصالح المشروعة لجميع الأطراف، لتجنب المزيد من التصعيد الذي قد يكون له عواقب وخيمة على المنطقة والعالم. المفاوضات الإيرانية الأوروبية تحتاج إلى دعم دولي حقيقي لضمان نجاحها.


