في أعقاب تصاعد الأزمة الأوكرانية المستمرة، ظهرت مبادرات دولية متعددة بهدف إيجاد حل سلمي للصراع. آخر هذه المبادرات، الخطة الأوروبية، حظيت برفض قاطع من قبل موسكو، التي اعتبرتها غير قابلة للتطبيق وغير مُرضية لشروطها. تتناول هذه المقالة تفاصيل الخطة الأوروبية لحل الأزمة الأوكرانية، وأسباب الرفض الروسي، ومقارنتها بالمقترحات الأخرى، وتحليلاً لمآلات عملية السلام.
رد فعل روسي سلبي على الخطة الأوروبية
كما كان متوقعاً، أعلنت روسيا رفضها للخطة الأوروبية المقترحة لتسوية النزاع في أوكرانيا. صرحت وزارة الخارجية الروسية بأن الخطة “غير بناءة” و”لا تلبي المطالب الرئيسية” لموسكو، واصفة إياها بأنها “نهج انتهازي لا يعالج الأسباب الجذرية للصراع”. وأكد يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس فلاديمير بوتين، أن موسكو على علم بنسخة الخطة المتداولة في وسائل الإعلام، وأنها ترى فيها نقصاً حاداً في الجدية وواقعية الحلول. واختتم أوشاكوف حديثه بالتأكيد على عدم وجود نية للتخلي عن الشروط التي تعتبرها روسيا ضرورية لتحقيق تسوية دائمة، وتشمل هذه الشروط الاعتراف بالأراضي الجديدة كجزء من روسيا، ووضع أوكرانيا المحايد.
مقارنة بين الخطة الأوروبية ومبادرة ترامب
تعتبر الخطة الأوروبية لحل الأزمة الأوكرانية بديلة لمبادرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي تضمنت 28 نقطة. ومع ذلك، تشهد الخطة الأوروبية اختلافات جوهرية عن النسخة الأمريكية، حيث تغفل عن بعض الشروط الهامة التي تعتبرها روسيا أساسية. على سبيل المثال، لا تتضمن الخطة الأوروبية مطالب بشأن الحد من حجم القوات الأوكرانية، أو منع انضمام كييف إلى حلف الناتو، وهي نقاط كانت حاضرة في مبادرة ترامب.
هذه الاختلافات أثارت شكوكاً لدى المراقبين الروس حول نوايا الخطة الأوروبية، حيث يعتقدون أنها تهدف إلى تعطيل عملية التفاوض بدلاً من المساعدة في إيجاد حل. ويرون أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم ما لم تُؤخذ مصالح كلا الطرفين في الاعتبار، وهو أمر يبدو مستبعداً في ظل الظروف الراهنة والتناقضات العميقة في المواقف.
أوجه التباين الرئيسية
ركز الخبراء الروس على عدة أوجه اختلاف رئيسية بين المبادرتين. أولاً، موقف كل منهما من إمكانية انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، والحصول على ضمانات أمنية ملزمة من الغرب. ثانياً، إلغاء الخطة الأوروبية لبند كان موجوداً في مقترح ترامب ينص على إلغاء الضمانات الأمنية لأوكرانيا في حال شنها هجوماً على روسيا. ثالثاً، التخفيف من شروط تخفيض عدد القوات الأوكرانية، وتمديد المهلة الزمنية لإجراء الانتخابات في أوكرانيا. وأخيراً، مطالبة الخطة الأوروبية روسيا بالتنازل رسمياً عن أي مطالبات أخرى ضد كييف والاتحاد الأوروبي، وهو أمر يعتبره الكرملين غير مقبول.
موقف الخبراء الروس: تشكيك في جدية المبادرة
انتقد المحللون السياسيون الروس الخطة الأوروبية، معتبرين أنها تستند إلى افتراضات غير واقعية حول الوضع على الأرض. أوليغ بوندارينكو، المحلل السياسي، أكد أن الأوروبيين يتصرفون وكأن أوكرانيا لا تزال لديها فرصة للفوز في الصراع، وأن روسيا يجب أن تُعاقب، وهو ما يعكس “تصلباً في الفكر السياسي الأوروبي”. وأضاف أن الخطة قد تؤدي إلى تفاقم حالة “بلقنة” أوكرانيا وزيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
بينما يرى ديمتري زلاتوبولسكي، المختص في الدراسات الدولية، أن الخطة تعكس إصراراً على الانحياز لصالح كييف، مع تجاهل تام لمصالح روسيا. ويصفها بأنها ليست وثيقة مستقلة بل تعديل على مبادرة ترامب التي اعتبرها قادة الاتحاد الأوروبي “صادمة”.
عيوب الخطة الأوروبية من وجهة نظر روسية
بالإضافة إلى المسائل السياسية والاستراتيجية، وجه الخبراء الروس انتقادات للخطة الأوروبية من جوانب أخرى. أبرز هذه الانتقادات غياب أي مبادرات لمعالجة قضايا التمييز الديني والعرقي في أوكرانيا، مثل رفع القيود المفروضة على استخدام اللغة الروسية واستئناف أنشطة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. كما انتقدوا إهمال الخطة الأوروبية لقضية حرية الإعلام.
علاوة على ذلك، شككوا في جدوى استخدام “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” كآلية مراقبة، وذلك بعد أن فقدت المنظمة مصداقيتها بسبب تقاعسها في المرحلة الأولى من الصراع، وتسريب معلومات حساسة إلى الجانب الأوكراني.
مستقبل التسوية: آفاق ضبابية
في ظل الرفض الروسي القاطع للخطة الأوروبية ، والتشكيك في جدية المبادرات الغربية الأخرى، تبدو آفاق تحقيق تسوية سلمية في أوكرانيا ضبابية للغاية. يبدو أن الأطراف المعنية لا تزال بعيدة جداً عن التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الرئيسية، خاصة تلك المتعلقة بالوضع الأمني والحدودي. يضاف إلى ذلك أن استمرار الدعم الغربي لكييف من شأنه أن يعزز موقفها التفاوضي، ويقلل من فرص التوصل إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف. الوضع الحالي يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة، ومحاولة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وإيجاد أرضية مشتركة يمكن من خلالها استئناف الحوار والعمل على إيجاد حل دائم وشامل للأزمة، يراعي مصالح الجميع ويضمن الاستقرار في المنطقة. مستقبل التسوية في أوكرانيا يبقى رهن بالإرادة السياسية لكل من روسيا وأوكرانيا والدول المعنية.


