يُخطئ مَن يختزل المنفى في الجغرافيا وحدها، بل هو بنية ممتدة من الصدمات النفسية التي تفرضها قرارات السياسة وتحديات الاقتصاد وتحوّلات المجتمع. ومع هذه الصدمات التي تمسّ الفرد في تفاصيل معيشته اليومية وترسم ملامح مستقبله المنظور؛ يُعاد تشكيل ذات الإنسان، ويُعاد معها ترتيب علاقات الفرد بماضيه القريب وبالآخرين الذين يحيطونه في منفاه الجديد. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكن موجات المنفى الأخيرة، خاصة تلك التي شهدتها المنطقة العربية، تحمل خصوصية تستدعي التمعن والتحليل.
أثر الصدمة والمنفى على الفرد والجماعة
المنفى ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو انتقال من حالة إلى أخرى. إنه تمزق للروابط الاجتماعية والثقافية، وفقدان للإحساس بالانتماء، وصدمة نفسية قد تستمر لسنوات. هذه الصدمة تؤثر بشكل عميق على هوية الفرد، وقيمه، وتصوراته للعالم. فالمنفى يفرض إعادة تقييم لكل ما كان يعتبر مسلماً به، من أنماط التدين إلى العلاقات الاجتماعية إلى الأهداف المستقبلية.
تتضاعف هذه الصدمة بالنسبة للإسلاميين الذين خرجوا من بلدانهم بسبب الضغوط السياسية أو الأمنية. فهم يحملون معهم عبء الماضي، وآثار “تسييس الموت” و”سجننة المجتمع” كما يصفها الباحثون. هذه التجارب القاسية تعيد صقل ذواتهم في الخارج، وربما تسييلها في حالة من اللايقين، قوامها إقامات مؤقتة، وهشاشة قانونية واجتماعية، وصراعات داخلية.
تحولات في الشرعية والانتماء في مجتمعات المنفى
مع انتشار العنف العابر للحدود، أصبحت شرعية القيادات الإسلامية تُختبَر بمعايير جديدة. لم يعد يكفي الشعار الديني أو الخطاب الحماسي، بل أصبح الأداء في سوق العمل، وتأمين الأوراق الرسمية، وتوفير مقومات العيش لأفراد الصف هو المعيار الحقيقي. هذا التحول يفرض إعادة النظر في رسالة “الجماعة” وتحديد أولويات جديدة.
المنفى يحول الحركة الإسلامية من كتلة جماهيرية إلى دوائر فردية محلية. فالتركيز ينتقل من العمل الجماعي المنظم إلى العلاقات الشخصية والشبكات الاجتماعية الصغيرة. تتراجع فعالية البرامج الإصلاحية الكبرى، ويصبح التأمل والتحليل النقدي هما السمة الغالبة.
أجيال الشتات الإسلامي: اختلافات جوهرية
من المهم فهم أن تجربة المنفى تختلف باختلاف الأجيال. الجيل الأول من الإسلاميين في المهجر، الذي هاجر في الخمسينيات والستينيات، كان يهدف إلى بناء هياكل حركية قوية، وتأسيس مؤسسات دعوية وتعليمية. كانوا يسعون إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية في بيئات القمع والتضييق، وتوسيع القاعدة الجماهيرية على المدى الطويل.
أما الجيل الثاني، الذي بدأ في الهجرة في الثمانينيات والتسعينيات، فقد واجه تحديات جديدة، مثل صعود الإسلاموفوبيا، وتزايد الرقابة الأمنية. كانوا أكثر تركيزًا على الاندماج في المجتمعات الغربية، والحفاظ على حقوقهم كمواطنين.
الجيل الثالث، الذي يشكل غالبية المنفيين الجدد، يختلف بشكل كبير عن سابقيه. فهم لم يعيشوا تجربة التنظيم القوي، ولم يشهدوا بناء المؤسسات الحركية. جاءوا إلى المنفى تحت ضغط الظروف السياسية والاقتصادية، وهم يحملون معهم أسئلة أكثر من الإجابات. هذا الجيل أكثر عرضة للتحولات الجذرية، وأقل قدرة على قبول “الصمت التنظيمي”.
من “السياسة” إلى “البقاء”: تحول الأولويات
في المنفى، تتحول الأولويات من “السياسة” إلى “البقاء”. فالاهتمام الأكبر ينصب على تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام والسكن والعمل. تتراجع الأهداف الكبرى، مثل التغيير السياسي والاجتماعي، أمام تحديات الحياة اليومية.
هذا التحول يؤدي إلى انتشار الانتماءات المهنية والمحلية، وتراجع الانتماءات الأيديولوجية. يبدأ الأفراد في بناء علاقات جديدة، وتكوين شبكات اجتماعية مختلفة. يصبحون أكثر اهتمامًا بقضاياهم الشخصية، وأقل اهتمامًا بقضايا الجماعة.
الدين في المنفى: من الشعار إلى المعنى
تتأثر ممارسة الدين أيضًا بتجربة المنفى. فالطقوس والشعائر الدينية قد تصبح أكثر أهمية، كوسيلة للحفاظ على الهوية والتعبير عن الانتماء. لكن في الوقت نفسه، قد يكتشف الأفراد أن علاقتهم بالدين كانت جزئيًا علاقة بخطاب مسيس، وأنهم حين يبتعدون عن هذا الخطاب لا يبتعدون بالضرورة عن الإيمان.
تظهر قراءات جديدة للدين، أكثر واقعية وحساسية للمقاصد. تتراجع مركزية التفاصيل الشكلية، ويصبح التركيز على القيم الأخلاقية والمعاملات الإنسانية. يصبح الدين وسيلة للتعامل مع الحياة اليومية، وإيجاد معنى في ظل الظروف الصعبة.
خاتمة: إعادة تشكيل الهوية في المنفى
المنفى ليس نهاية المطاف، بل هو بداية جديدة. إنه فرصة لإعادة التفكير في الهوية، والقيم، والأهداف. إنه تحدٍ يتطلب الصبر، والمرونة، والقدرة على التكيف. قد يبتلع المنفى بعض الأدوات القديمة، لكنه لا يستطيع أن يبتلع المعنى. فالمعنى يظل كامنًا في قلوب الأفراد، ينتظر اللحظة المناسبة للظهور. المنفى يعيد تشكيل الإسلاميين، ويجعلهم أكثر قدرة على العيش في عالم متغير، وعلى التعامل مع التحديات الجديدة. وهذا التحول قد يكون في النهاية مفيدًا ليس لهم فحسب، بل للمجتمعات التي يعيشون فيها أيضًا.


