شهدت الأرض في الأيام الماضية واحدة من أقوى العواصف الشمسية منذ أكثر من 20 عامًا، بعدما ضربتها موجة مزدوجة نادرة تمثّلت في عاصفة إشعاع شمسي شديدة “إس4” (S4) ترافقت مع عاصفة مغناطيسية قوية “جي 4” (G4). أدت هذه العاصفة إلى اضطراب في الدرع المغناطيسي للأرض وظهور الشفق القطبي في مناطق لم تشهده من قبل، وصولًا إلى جنوب كاليفورنيا وأجزاء من أوروبا الوسطى.

بدأ الحدث بتوهج شمسي هائل من “الفئة إكس” مطلع الأسبوع، قذف سيلاً من البروتونات عالية الطاقة نحو الأرض. وارتفعت كثافة الجسيمات المشحونة إلى أكثر من 10 آلاف وحدة، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 2003، وفقًا لهيئات رصد طقس الفضاء. تسببت هذه الظاهرة في إثارة اهتمام العلماء والجمهور على حد سواء.

الشفق القطبي وأثره على الأرض

الشفق القطبي ظاهرة ضوئية جوية ترتبط مباشرة بنشاط الشمس، وتظهر عندما تتفاعل الجسيمات المشحونة المنبعثة من العواصف الشمسية مع ذرات الأكسجين والنيتروجين في الطبقات العليا من الغلاف الجوي للأرض. يؤدي هذا التفاعل إلى تأيّن الذرات وإطلاق ألوان مبهرة تتدرج بين الأخضر والأحمر والبنفسجي والوردي.

عادةً ما يظهر الشفق القطبي بالقرب من القطبين، حيث يوجّه المجال المغناطيسي للأرض هذه الجسيمات. ومع ذلك، فإن العواصف الشمسية الشديدة يمكن أن تتسبب في اتساع نطاق الشفق القطبي ليشمل مناطق منخفضة العرض، وهو ما حدث مؤخرًا.

تاريخ رصد الشفق القطبي

ورغم ارتباط الشفق القطبي بالمناطق القطبية، إلا أن السجلات التاريخية والعلمية تؤكد ظهوره أحيانًا في مناطق منخفضة العرض، خاصة أثناء العواصف الشمسية الشديدة. فقد وثّقت مصادر عربية قديمة مشاهدته في اليمن في القرن السابع الهجري، كما سُجّل في أوروبا واليابان في العصور الوسطى.

في العصر الحديث، دخلت سلطنة عُمان هذا السجل العلمي للمرة الأولى، بعد أن وثّقت الجمعية الفلكية العُمانية، وباعتماد من وكالة “ناسا”، ظهور الشفق القطبي في سماء السلطنة أثناء عاصفة شمسية قوية في مايو/أيار 2024. هذا الحدث يمثل إضافة قيمة إلى سجلات الرصد الفلكي في المنطقة.

تأثير العواصف الشمسية على التكنولوجيا

وفقًا لهيئات رصد طقس الفضاء، فإن هذه العاصفة الإشعاعية هي الأخطر على الطيران القطبي والأقمار الصناعية والملاحة الفضائية، لكنها لا تشكل تهديدًا مباشرًا على البشر على سطح الأرض. ومع ذلك، يمكن أن تتسبب العواصف الشمسية في تعطيل أنظمة الاتصالات والرادار، بالإضافة إلى زيادة خطر حدوث أخطاء في الأجهزة الإلكترونية.

يربط العلماء هذا النشاط بما حدث قبل أيام من عاصفة شمسية نادرة رصدتها مراكز بحثية روسية وأميركية، ووُصفت بأنها نتاج “مصادفة فيزيائية دقيقة” رغم أن النشاط العام للشمس لم يكن في ذروته المتوقعة. هذا ما أعاد طرح تساؤلات علمية حول سلوك الشمس أثناء الدورة الشمسية 25، التي بدأت عام 2019، وفاجأت الباحثين بنشاط أعلى من التوقعات. تعتبر النشاط الشمسي موضوعًا هامًا للبحث العلمي المستمر.

مستقبل رصد العواصف الشمسية

على الرغم من عدم تسجيل أضرار كبرى حتى الآن، يؤكد الخبراء أن هذه العاصفة تذكير صارخ بهشاشة البنية التكنولوجية الحديثة، من الأقمار الصناعية إلى أنظمة “جي بي إس” والاتصالات، وأهمية الدرع المغناطيسي للأرض في حماية الحياة من غضب الشمس المتقلب. تستمر وكالات الفضاء حول العالم في مراقبة الشمس عن كثب، وتطوير نماذج تنبؤ أكثر دقة للعواصف الشمسية.

من المتوقع أن تستمر الدورة الشمسية الحالية في التزايد حتى عام 2025، مما يعني أن هناك احتمالًا لحدوث المزيد من العواصف الشمسية القوية في المستقبل القريب. سيراقب العلماء هذه التطورات عن كثب، وسيقدمون تحذيرات مبكرة للمساعدة في حماية البنية التحتية الحيوية. تعتبر الظواهر الفضائية مجالًا حيويًا للدراسة والتنبؤ.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version