كثيرة هي الحلول التي حاول خلالها العلماء استخدام خامات طبيعية لإنتاج مواد ماصة يتم توظيفها لالتقاط الملوثات من مياه الصرف الصناعي، لكن عادة ما كانت تصطدم هذه الحلول القائمة بشكل أساسي على المخلفات الزراعية ببعض المعوقات. وفي محاولة لتجاوز هذه التحديات، وجد فريق بحثي ليبي من جامعة بنغازي، بالتعاون مع باحث من جامعة تريبهوفان بنيبال، ضالته في نبات القطلب، أو أربوتس بفاريي، لاستخدامه في معالجة مياه الصرف.

نجح الباحثون في استخدام أوراق هذا النبات المحلي لإنتاج مادة ماصة لصبغة “الفيوليت الميثيلي 6 بي”، وهي من الصبغات شائعة الاستخدام في صناعة المنسوجات والورق. وقد أظهرت التجارب أن هذه المادة الجديدة تتفوق على الحلول التقليدية في كفاءتها واستدامتها، مما يفتح آفاقًا جديدة لـتنقية المياه في ليبيا وخارجها.

تطوير مادة ماصة جديدة من نبات القطلب

أكدت التجارب أن المادة الجديدة، التي أطلق عليها الباحثون اسم “إم إيه بي إل” (المادة الماصة من أوراق أربتوس البفارية المعدلة)، تتميز بوفرة المصدر، وقبول الأوراق للمعالجات الكيميائية، ونتائجها المتميزة في التقاط الصبغات. فالقطلب نبات متوفر بكثرة في منطقة الجبل الأخضر الليبية على مدار العام، مما يجعله خيارًا مستدامًا لإنتاج مواد الامتصاص.

ويقول الدكتور أشرف الحشاني، أستاذ الكيمياء بجامعة بنغازي والباحث الرئيسي في الدراسة، إن أوراق القطلب غنية بمادة “الليجنوسليلوز”، وهي خليط من السليلوز والهيميسليلوز واللجنين. تحتوي هذه المكونات على مجموعات وظيفية تعمل كـ “خطافات كيميائية” صغيرة على سطح الورقة، مما يعزز قدرتها على الارتباط بالملوثات.

تفعيل كفاءة الامتصاص

لتحسين كفاءة الامتصاص، قام الفريق البحثي بتعديل أوراق القطلب كيميائيًا من خلال المعالجة الحمضية والقلوية. تهدف هذه العملية إلى تفعيل هذه “الخطافات” وزيادة عددها، مما يزيد من قدرة المادة على التقاط الصبغات. تتضمن المعالجة استخدام حمض الكبريتيك لفتح بنية الليجنوسليلوز، ثم استخدام الزنتنة (معالجة بمحلول هيدروكسيد الصوديوم وثاني كبريتيد الكربون) لإضافة مجموعات كيميائية نشطة.

أظهرت التحاليل العلمية، بما في ذلك المجهر الإلكتروني الماسح ومطياف الأشعة تحت الحمراء، أن المعالجة الكيميائية أدت إلى تغييرات إيجابية في بنية الأوراق، مثل زيادة مساحة السطح ونفاذية المسام، وظهور مجموعات كيميائية جديدة تعزز الامتصاص. وقد بلغت أقصى قدرة امتصاص للمادة الجديدة حوالي 228.3 ملغ من الصبغة لكل غرام من المادة.

مزايا المادة الجديدة وتطبيقاتها المحتملة

بالإضافة إلى كفاءتها العالية في الامتصاص، تتميز المادة الجديدة بأنها رخيصة، ومتجددة، وقابلة لإعادة الاستخدام. يمكن إعادة استخدامها ما يصل إلى خمس مرات مع الحفاظ على أكثر من 83% من كفاءتها، مما يقلل من التكاليف ويجعلها خيارًا صديقًا للبيئة. كما أنها مناسبة بشكل خاص للمناطق ذات الموارد المحدودة، حيث يمكن استخدامها لمعالجة مياه الصرف الصناعي دون الحاجة إلى معدات معقدة أو تكاليف باهظة.

تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير حلول مستدامة وفعالة لـتلوث المياه. وتشير النتائج إلى أن النباتات المحلية يمكن أن تكون مصدرًا واعدًا لإنتاج مواد ماصة ذات خصائص فريدة.

الخطوة التالية للفريق البحثي هي الانتقال من التجارب المختبرية إلى أنظمة التدفق المستمر في المصانع لتقييم الجدوى الاقتصادية والتشغيلية على نطاق واسع. كما يخططون لاختبار مواد نباتية محلية أخرى باستخدام نفس الآلية لتطوير مجموعة متنوعة من المواد الماصة المناسبة لمختلف المناطق والملوثات. من المتوقع أن يتم الانتهاء من هذه المرحلة من البحث خلال العام القادم، مما سيوفر بيانات إضافية حول إمكانية تطبيق هذه التقنية على نطاق واسع.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version