كشفت دراسة حديثة أن البشر عاشوا في الجزيرة العربية خلال فترات مناخية قاسية، بما في ذلك ذروة العصر الجليدي الأخير، وهو ما يغير فهمنا لتاريخ الاستيطان البشري في المنطقة. النتائج، التي نشرت في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” في 23 مارس 2026، تستند إلى أدلة أثرية وبيئية من موقع “مأوى بحيص الصخري” في إمارة الشارقة، وتُظهر أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان بشكل متقطع على مدى عشرات الآلاف من السنين.

يقع الموقع على بعد حوالي 60 كيلومترًا من ساحل الخليج العربي، ويقدم سجلاً زمنياً مفصلاً لوجود الإنسان يعود إلى 60 ألف سنة مضت، مع أدلة تشير إلى فترات أقدم. تُظهر الحفريات طبقات أثرية متراكمة تكشف عن فترات من الاستقرار البشري تخللتها فترات من الغياب، مما يشير إلى أن الإنسان كان يتكيف مع التغيرات المناخية في شبه الجزيرة العربية.

تاريخ أطول مما كنا نعتقد: اكتشافات جديدة حول الاستيطان البشري

وفقًا للباحثين، فإن موقع بحيص يمثل “سجلًا تاريخيًا” متراكبًا، حيث تمثل كل طبقة فترة زمنية مختلفة. من خلال تحليل هذه الطبقات، تمكن الفريق من تحديد أربع فترات رئيسية للاستيطان البشري في المنطقة، تعود إلى حوالي 125 ألف سنة، و60 ألف سنة، و35 ألف سنة، و16 ألف سنة مضت. هذه الاكتشافات توسع نطاق السجلات المعروفة وتثبت وجود استيطان متكرر في الجزيرة العربية بدأ على الأقل قبل 210 ألف سنة.

الأدوات الحجرية تكشف عن تطور تقني

لم تقتصر الأدلة على وجود الإنسان فحسب، بل شملت أيضًا مئات الأدوات الحجرية التي تركها السكان القدماء. تُظهر هذه الأدوات تطورًا واضحًا عبر الزمن، حيث بدأت بأدوات بسيطة تعتمد على كسر الحجارة، ثم تطورت إلى شفرات صغيرة مصقولة أكثر دقة وتعقيدًا. يعكس هذا التطور التقني قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة المحيطة وتطوير مهاراته في الصيد وتجهيز المواد.

البيئة وتوفر الموارد: عوامل حاسمة في الاستيطان

تشير التحليلات البيئية إلى أن فترات وجود الإنسان في الموقع تزامنت مع فترات كانت فيها المنطقة أكثر رطوبة، حيث كانت هناك مصادر مياه مثل البحيرات الصغيرة والأنهار الموسمية والينابيع. هذا يشير إلى أن توفر الموارد المائية كان عاملاً حاسماً في تحديد إمكانية الاستيطان البشري في المنطقة. الآثار تدل على أن شبه الجزيرة العربية لم تكن صحراء قاحلة بشكل دائم، بل مرت بفترات تصبح فيها صالحة للسكن.

أهمية الاكتشافات لفهم الهجرة البشرية

يرى الباحثون أن هذه النتائج تحمل أهمية خاصة لفهم كيفية انتشار الإنسان العاقل خارج أفريقيا. تشير الدراسة إلى أن جنوب شبه الجزيرة العربية ربما كان أحد الممرات الرئيسية التي عبر منها الإنسان في رحلته نحو آسيا وأوروبا، خاصة خلال الفترة بين 70 ألفًا و50 ألف سنة مضت، وهي مرحلة مفصلية في الهجرة البشرية. علم الآثار يقدم لنا رؤى جديدة حول هذه العمليات القديمة.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الدراسة أن الإنسان لم يكن مجرد متأثر بالبيئة، بل كان قادرًا على التكيف معها، فيتحرك عندما تسوء الظروف، ويستقر عندما تتحسن. وهذا ما يعرف بالاستيطان المرن، وهو نمط استيطاني يتسم بالديناميكية والتكيف مع الظروف المتغيرة.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث في موقع بحيص في السنوات القادمة، مع التركيز على تحليل المزيد من الأدوات الحجرية والبيانات البيئية. سيساعد ذلك في الحصول على فهم أعمق لتاريخ الاستيطان البشري في الجزيرة العربية ودوره في الهجرة البشرية العالمية. من المقرر نشر تقرير مفصل عن النتائج الجديدة بحلول نهاية عام 2026، مع التركيز على تحديد التغيرات المناخية التي أثرت على أنماط الاستيطان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version