لم يعرف المجتمع الفلكي العربي، بل وحتى شريحة واسعة من المهتمين بعلم الفلك عالميا، مصطلحات مثل “القمر الأسود” إلا في العقود القليلة الماضية. هذه التسميات لم تنشأ من صلب الأدبيات العلمية الكلاسيكية، بل ولدت في المساحة الرمادية بين العلم والإعلام، وتنتشر بشكل خاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تعتبر هذه الظاهرة الفلكية، القمر الأسود، موضوع اهتمام متزايد، خاصة مع اقتراب ظهوره المتوقع في أغسطس 2027.

ورغم أن القمر يمر بدوراته المنتظمة منذ مليارات السنين دون أن يهتم بما نطلقه عليه من أسماء، فإن العولمة الإعلامية جعلت من بعض مراحله العادية قصصا كونية مثيرة، والقمر الأسود مثال واضح على ذلك. تعتمد هذه التسمية على تعريفات مختلفة، لكنها تشترك في كونها لا تعني تغيراً حقيقياً في القمر نفسه، بل هي ظاهرة تتعلق بالتقويم البشري ودورات القمر.

ما القمر الأسود علميا؟

القمر الأسود ليس مصطلحا فلكيا رسميا معتمدا من الاتحاد الفلكي الدولي، بل هو توصيف اصطلاحي شائع الاستخدام في الإعلام وبعض مواقع الفلك التثقيفية. ووفقا لموقع “تايم آند ديت”، هناك تعريفان متداولان لهذا المصطلح.

التعريف الأول، وهو الأكثر شيوعا، يصف القمر الأسود بأنه ثاني قمر جديد يحدث في شهر ميلادي واحد. وبما أن الدورة القمرية تستغرق نحو 29.5 يوما، فإن تزامن قمرين جديدين في شهر واحد لا يحدث إلا كل نحو 29 شهرا.

أطوار القمر أثناء دورانه حول الأرض (الجزيرة)

أما التعريف الثاني فيرتبط بالفصول، إذ يطلق مصطلح القمر الأسود على القمر الجديد الثالث في فصل يحتوي على أربعة أقمار جديدة بدلا من ثلاثة. وهي حالة أندر قليلا، وتتكرر كل نحو 33 شهرا.

في جميع الأحوال، القمر الأسود غير مرئي تقريبا، لأن القمر في طور “المحاق” يكون مواجها للشمس، بينما يواجه جانبه المظلم الأرض. أي أن الحدث، على عكس اسمه المثير، لا يرى بالعين المجردة ولا بالتلسكوبات الصغيرة.

لماذا القمر الأسود ظاهرة نادرة؟

سبب الندرة لا يعود إلى شيء استثنائي في سلوك القمر نفسه، بل إلى التقويم البشري. فالأشهر الميلادية لا تتطابق تماما مع دورة القمر، مما يؤدي أحيانا إلى “فائض” في عدد الأطوار داخل الشهر، وهذا الفائض هو ما يمنحنا تسميات مثل القمر الأسود أو الأزرق، وليس تغيرا فيزيائيا حقيقيا في القمر.

لهذا السبب يؤكد الفلكيون أن القمر الأسود لا يختلف فيزيائيا عن أي قمر جديد آخر، ولا يحمل أي تأثيرات خاصة على الأرض أو الإنسان، خلافا لما تروّجه بعض المنصات ذات الطابع الغيبي أو التنجيمي. تعتبر هذه الظاهرة فرصة جيدة لمراقبي السماء لرصد الأجرام الخافتة بسبب الظلام الدامس.

القمر الأزرق.. الأصل التاريخي للمصطلح

لفهم القمر الأسود، لا بد من العودة إلى “شقيقه الإعلامي” الأشهر: القمر الأزرق. فقد ظهر هذا المصطلح في الثقافة الغربية منذ قرون، وكان يستخدم في اللغة الإنجليزية للدلالة على الندرة. لكن المعنى الفلكي الحديث للقمر الأزرق، وهو ظهور بدرين في شهر واحد، يعود إلى خطأ تحريري نشر عام 1986 في مجلة “سكاي آند تلسكوب”.

لا يوجد في السماء قمر لونه أزرق إنما هو مصطلح للبدر الثاني في الشهر نفسه (غيتي)

ورغم كونه خطأ في تفسير تقويم فلكي قديم، انتشر المصطلح بسرعة، وتبنته وسائل الإعلام، ثم عاد لاحقا إلى القواميس الفلكية الشعبية بوصفه توصيفا شائعا لا رسميا. ومن هنا ولد القياس: فإذا كان البدر الثاني “قمرا أزرق”، فلماذا لا يكون القمر الجديد الثاني “قمرا أسود”؟

القمر الأسود في أغسطس وتواريخ المحاق

في أغسطس/آب 2027 سجل التقويم حدثا فلكيا يشار إليه إعلاميا باسم القمر الأسود، وذلك عندما يحدث المحاق الجديد الثاني في شهر ميلادي واحد. سيكون المحاق الأول يوم 2 أغسطس/آب 2027، يليه المحاق الثاني يوم 31 أغسطس/آب 2027.

وقد سبق أن وقع حدث مشابه يوم 23 أغسطس/آب 2025، عرف أيضا إعلاميا باسم القمر الأسود لكنه وفقا لتعريف مختلف قليلا، إذ إنه كان المحاق الثالث في موسم فلكي يحوي أربعة محاقات جديدة في فصل الصيف.

بينما يستمر القمر في دورانه الهادئ، يبقى البشر هم من ينسجون حوله الحكايات. من المتوقع أن يشهد شهر أغسطس 2027 اهتماما إعلاميا كبيرا بهذا الحدث، مع توقعات بزيادة عمليات البحث عن معلومات حول القمر الأسود.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version