في مساء عادي من شهر يناير/كانون الثاني 2026، وبينما كانت الشمس تميل إلى الغروب فوق ساحل فلوريدا بالولايات المتحدة، اخترق الغلاف الجوي صاروخ فالكون 9 حاملا معه 29 قمرا جديدا من أقمار ستارلينك. هذا الإطلاق، الذي بدا للكثيرين خبرا عابرا، يمثل بوابة مناسبة لفهم مشروع ضخم يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والفضاء، وهو مشروع ستارلينك الذي يثير تساؤلات حول الوصول إلى الإنترنت وتأثيره على الفلك.

لم يكن الحدث استثنائيا في “روزنامة” شركة “سبيس إكس”، لكنه كان استثنائيا في دلالته، إذ يعكس كيف أصبحت السماء مسرحا يوميا لنشاط بشري متسارع، لا يتوقف ولا ينتظر. الأقمار التي انفصلت عن الصاروخ بعد خمسين دقيقة من الإقلاع ليست مجرد أجهزة تقنية، بل هي عقد صغيرة في شبكة كونية آخذة في الاتساع، شبكة تعد بتغطية الإنترنت لكل بقعة مأهولة على الكوكب.

ما هو ستارلينك ولماذا يتوسع بهذه السرعة؟

مشروع ستارلينك هو منظومة أقمار صناعية تعمل في المدار الأرضي المنخفض، أي على ارتفاع يتراوح بين 300 و500 كيلومتر فوق سطح الأرض. هذا المدار القريب نسبيا يسمح بزمن استجابة منخفض، مما يجعل الإنترنت عبر ستارلينك أقرب في الأداء إلى شبكات الألياف الأرضية. الهدف الرئيسي هو توفير اتصال إنترنت عالي السرعة وموثوق به للمناطق النائية والمحرومة من الخدمات التقليدية.

لكن السر الحقيقي وراء التوسع السريع لا يكمن فقط في التقنية، بل في النموذج الاقتصادي. شركة “سبيس إكس” لم تنظر إلى الأقمار بصفتها أجهزة منفردة، بل منتجا ضخما يمكن تصنيعه بكميات هائلة وإطلاقه بوتيرة شبه أسبوعية. مع كل إطلاق جديد، تقترب الشبكة من الاكتمال، ويتحول الفضاء القريب من الأرض إلى طريق سريع غير مرئي، تعبره البيانات.

قصص الاتصال من أطراف العالم

في قرية نائية على أطراف الأمازون، حيث لا تصل كابلات ولا أبراج، أصبح طبق أبيض صغير موجه نحو السماء نافذة على العالم. هناك، بدأت المدارس تعتمد على التعليم عن بعد، ومراكز صحية صارت قادرة على استشارة أطباء في مدن بعيدة. هذه القصص ليست دعاية بل هي واقع يعيشه مناطق لطالما وُصفت بأنها خارج التغطية.

وبالمثل، في عرض المحيط، على متن طائرة تحلق ساعات طويلة، لم يعد الركاب معزولين عن الإنترنت. الاتصال أصبح مستقرا، والبث المباشر ممكنا، وكأن السماء نفسها صارت جزءا من البنية التحتية الأرضية. هذا التحول غير شكل السفر وغير توقعات الناس من الاتصال.

تأثير أقمار ستارلينك على الرصد الفلكي

غير أن السماء التي تحمل البيانات، هي ذاتها السماء التي ينظر إليها علماء الفلك منذ قرون. الأقمار، رغم محاولات تعتيمها، تعكس ضوء الشمس وتترك آثارا في الصور الفلكية، مما يعقد عمليات الرصد والتحليل. هذا التشويش البصري قد يؤثر على اكتشافات جديدة، خاصة الظواهر الكونية العابرة التي تتطلب رصدا دقيقا.

أعرب علماء الفلك عن قلقهم بشأن تأثير ستارلينك على جودة البيانات الفلكية، وناشدوا شركة “سبيس إكس” اتخاذ تدابير إضافية لتقليل الانعكاسات الضوئية. تتضمن هذه التدابير طلاء الأقمار بمواد داكنة أو تطوير تقنيات توجيه تسمح بتقليل كمية الضوء المنعكس نحو الأرض.

ازدحام المدار الأرضي المنخفض وخطر الحطام الفضائي

تضمّ الشبكة حاليا حوالي 9500 قمر صناعي نشط، لكنها في نهاية المشروع من المتوقع أن تصل إلى نحو 42000 قمر صناعي، مما يجعلها أكبر كوكبة أقمار صناعية في التاريخ. هذا العدد الهائل من الأقمار يثير مخاوف بشأن ازدحام المدار الأرضي المنخفض وخطر الاصطدامات.

أي اصطدام بين الأقمار أو مع حطام فضائي قد يولد سلسلة من الشظايا، في ظاهرة تعرف بتفاعل كيسلر، مما يجعل المدار غير صالح للاستخدام. تؤكد سبيس إكس أن أقمارها مزودة بمحركات كهربائية تتيح لها المناورة وتجنب الاصطدام، وأنها قادرة على العودة والاحتراق في الغلاف الجوي عند انتهاء عمرها، لكن يبقى الخطر قائما.

ستارلينك والاتصال في أوقات الأزمات

إضافة إلى توفير الإنترنت في المناطق النائية، أثبتت أقمار ستارلينك دورها الحيوي في الأزمات والنزاعات. يمكنها تجاوز القيود الحكومية المفروضة على الشبكات المحلية، مما يسمح للأفراد والمؤسسات بالبقاء على اتصال بالعالم الخارجي حتى في الظروف الصعبة.

على سبيل المثال، أعلن إيلون ماسك أن خدمة ستارلينك ستتيح للشعب الإيراني الوصول إلى الإنترنت مجانا بعد انقطاعه بسبب إجراءات حكومية. كما أسهمت أقمار ستارلينك في إلقاء الضوء على الحرب الروسية الأوكرانية ومتابعة مجرياتها بعدما قطعت موسكو الإنترنت في عدة مناطق.

المستقبل بين التوسع والتنظيم

مع استمرار شركة “سبيس إكس” في إطلاق المزيد من أقمار ستارلينك، من المتوقع أن يزداد تأثير هذه الشبكة على حياتنا اليومية وعلى الفضاء نفسه. يبقى السؤال مفتوحا حول كيفية تحقيق التوازن بين فوائد الاتصال الشامل والمخاطر المحتملة على الرصد الفلكي والاستدامة البيئية.

من المرجح أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة نقاشات مكثفة حول تنظيم الأنشطة الفضائية وتحديد المسؤوليات والالتزامات. ستكون هناك حاجة إلى تعاون دولي لضمان استخدام الفضاء بشكل آمن ومستدام للأجيال القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version