من بين الكثير من الأسئلة التي تشغل بال علماء الفيزياء النظرية، يثير مفهوم الزمن جدلاً عميقاً يمتد من الفيزياء إلى الفلسفة. تحديداً، أسئلة مثل: ما هو الزمن؟ وهل هو شيء أساسي في الكون أم مجرد طريقة لوصف تغير الأشياء؟ هذه التساؤلات تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في أسس فهمنا للواقع.
لفهم الفكرة، تخيل أنك تمسك بورقة نقدية، تلك الورقة قد لا تكتسب أهمية في ذاتها كمادة، ولكن فيما تمثله كأداة لتبادل السلع والخدمات. كذلك، قد لا يكون الزمن ممثلاً لشيء في ذاته، بل هو طريقتنا الخاصة للتعامل مع الأحداث في الكون وتسلسلها. هذا المفهوم يفتح الباب أمام نظريات جديدة حول طبيعة الوجود.
مشكلة الزمن
هذا هو جوهر ما يُسمى “مشكلة الزمن”، وهو تعارض مفاهيمي بين طريقتين ناجحتين جداً لفهم الطبيعة. الأولى هي ميكانيكا الكم، التي تهتم بوصف سلوك العالم الصغير جداً (عالم الذرات والإلكترونات). والثانية هي النظرية النسبية العامة، التي تصف العالم الكبير (عالم النجوم والمجرات).
تبدأ القصة من أن كل نظرية تتعامل مع الزمن بشكل مختلف. ففي ميكانيكا الكم، يُعامل الزمن عادةً كخلفية ثابتة، وكأن هناك ساعة خارجية تحكم الأحداث. بينما تُنسب القياسات إلى لحظات محددة، وكأن الزمن هو مسطرة مشتركة للجميع.
أما في النظرية النسبية العامة، فإن الصورة تنقلب. الزمن ليس مسطرة ثابتة، بل جزء من نسيج الزمكان نفسه، ويمكن أن يتمدد أو يتباطأ بحسب الجاذبية وحركة الراصدين. أي أن الزمن مرن وليس واحداً للجميع. هذا الاختلاف يمثل تحدياً كبيراً للفيزيائيين.
عندما يحاول العلماء بناء نظرية أكبر تجمع بينهما، مثل نظرية “الجاذبية الكمومية”، تصبح مشكلة الزمن معضلة أساسية. نريد نظرية واحدة تجمع بين الزمن كخلفية غير متفاعلة في الكم، وفي الوقت نفسه جزء من هندسة الفضاء نفسه في النظرية النسبية. هذا التناقض يتطلب حلولاً مبتكرة.
معادلة محيرة
تتجلى هذه المشكلة في ما يسمى “معادلة ويلر–ديويت”، والتي تحاول إدخال الجاذبية بأسلوب معين إلى ميكانيكا الكم. هنا تبدو المعادلات ثابتة، لا تتطور، وكأن الكون كله مجمد بلا زمن. هذا يثير السؤال: إذا كان الكون ساكناً في المعادلات، فمن أين تأتي خبرتنا اليومية بأن الزمن يجري وأن الأشياء تتغير؟
منذ عقود يحاول العلماء حل هذه المشكلة. أحد الحلول المقترحة هو أن الزمن ربما ليس شيئاً خارجياً مطلقاً، بل يظهر من داخل الكون عبر العلاقات بين أجزائه. هذا يغير نظرتنا إلى الزمن من كونه قوة خارجية إلى كونه خاصية ناشئة.
يفترض بايج ووترز أن الكون ككل قد يبقى بلا زمن، لكن الراصد داخل الكون يرى الزمن لأنه يقارن نظاماً يعمل كساعة بنظام آخر يتغير. يظهر الزمن من الاشتباك بينهما. هذا المفهوم يربط بين الزمن والإدراك البشري.
تخيل أن الكون عبارة عن كتاب مغلق. هذا الكتاب كله موجود دفعة واحدة، من الخارج، لا يوجد زمن يجري. لكن عندما تفتح الكتاب وتبدأ بالقراءة صفحة بعد صفحة، تشعر بوجود زمن. هناك صفحة قبل، ثم صفحة بعد. هذا ما يقصده بايج ووترز، فالكون ككل قد يكون ثابتاً، لكنك وأنت بداخله ترى الزمن لأنك تراقب شيئاً يعمل كساعة وتراقب شيئاً آخر يتغير وتقارن بين الاثنين.
الزمن الناشئ
هناك حل آخر لهذه المشكلة يفترض أن الزمن “ناشئ” وليس أساسياً في الكون. أي أنه ليس جزءاً من تركيب الكون في المستوى العميق، لكنه يظهر عندما ننظر للكون على مستوىً أكبر. هذا المفهوم يربط بين الفيزياء وعلم التعقيد.
على سبيل المثال، درجة الحرارة ليست جسيماً، أي لا توجد ذرة للحرارة، لكن عندما يجتمع عدد هائل من الجسيمات وتتحرك عشوائياً، يظهر مفهوم الحرارة كخاصية جماعية لحركة تلك الجسيمات. بنفس الطريقة قد لا يوجد زمن في القوانين الأدق للكون، لكنه يظهر عندما تظهر البُنى الكبيرة من مادة وطاقة.
لا يعرف العلماء إلى الآن حلاً لهذه المشكلة، وما زالت هناك فرضيات كثيرة مقترحة. إلا أننا ما زلنا في مرحلة من الحيرة حول طبيعة ما يمكن أن نقول أنه أهم شيء في حياتنا اليومية. البحث عن فهم أعمق للزمن يمثل تحدياً مستمراً للفيزيائيين والفلاسفة على حد سواء.
من المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة المزيد من الأبحاث في هذا المجال، مع التركيز على تطوير نماذج رياضية جديدة قادرة على وصف طبيعة الزمن بشكل أكثر دقة. من المرجح أن يتم استخدام بيانات من التجارب الفيزيائية الفضائية والأرضية لاختبار هذه النماذج. يبقى السؤال مفتوحاً، ولكن البحث مستمر.


