في قلب الشتاء، حين يتباطأ كل شيء، تدخل الدببة في سبات طويل، مما يثير تساؤلات حول تأثير هذا الخمول على صحة عظامها. دراسة دولية حديثة، قادها باحثون مصريون وأمريكيون، كشفت عن آليات مذهلة تساعد الدببة على الحفاظ على قوة العظام خلال أشهر السبات، وهو ما قد يقدم رؤى جديدة حول علاج هشاشة العظام وفقدان العظام المرتبط بالخمول لدى البشر.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة “جورنال أوف أناتومي” (Journal of Anatomy) في العشرين من يناير 2026، وتستند إلى تحليل دقيق للنسيج العظمي لعدد من الدببة السوداء، سواء البرية أو التي تعيش في الأسر. النتائج تشير إلى أن الدببة لا تفقد كثافة العظام خلال السبات كما يحدث مع معظم الثدييات الأخرى، بل تتبع استراتيجية فريدة للحفاظ على قوتها الهيكلية.
كيف تحافظ الدببة على العظام القوية خلال السبات؟
العظام ليست مجرد مادة صلبة، بل هي نسيج حي يتكيف باستمرار مع الضغوط والتغيرات البيئية. وفقًا للدكتور عبد الله جوهر، الباحث الرئيسي في الدراسة، فإن فحص شرائح عظمية رقيقة تحت المجهر يكشف عن سجل تفصيلي لحياة الحيوان، بما في ذلك مراحل النمو والتكيف.
ركز الباحثون على نوعين من العظام: عظم الفخذ، الذي يتحمل وزن الجسم، وعظام الضلوع، التي تشكل جزءًا من الهيكل المحوري. أظهرت النتائج أن عظام الفخذ تتميز باستقرار ملحوظ ونمو سنوي منتظم، بينما أظهرت عظام الضلوع معدلات أعلى من إعادة التشكيل، مع وجود فراغات وهياكل إسفنجية أكثر.
استراتيجية “التوزيع الذكي” لإعادة التشكيل العظمي
يشير الباحثون إلى أن هذا التباين في إعادة التشكيل العظمي يعكس استراتيجية “توزيع ذكي” تتبعها الدببة. خلال السبات، تركز الدببة على الحفاظ على قوة عظام الفخذ، الضرورية للحركة والدعم الفوريين عند الاستيقاظ، بينما تسمح بإعادة تشكيل أكبر في عظام الضلوع، التي تلعب دورًا أقل أهمية في الحركة.
قد يكون هذا التوزيع الذكي مرتبطًا بإعادة توزيع المعادن، مثل الكالسيوم، خلال فترة الصيام الطويلة التي تميز السبات. عظام الضلوع، الأقل عرضة لخطر الكسر، قد تعمل كمخزن مؤقت للمعادن، والتي يمكن بعد ذلك نقلها إلى عظام الفخذ عند الحاجة.
السبات وتأثيره على كثافة العظام
الأمر المثير للاهتمام هو أن هذه الآليات تبدو فعالة حتى في الدببة التي لم تدخل في سبات كامل، مثل تلك التي تعيش في الأسر. وهذا يشير إلى أن مقاومة فقدان العظام قد تكون سمة متأصلة في بيولوجيا الدببة، وليست مجرد استجابة للسبات.
تعتبر هذه النتائج ذات أهمية خاصة في سياق الأبحاث المتعلقة بفقدان العظام المرتبط بالخمول والجاذبية المنخفضة، مثل تلك التي تحدث أثناء الرحلات الفضائية الطويلة. فهم كيفية الحفاظ على الدببة على قوة عظامها خلال السبات قد يوفر إلهامًا لتطوير استراتيجيات جديدة لحماية العظام في البيئات المتطرفة.
الخطوات التالية والآفاق المستقبلية
يخطط الفريق البحثي الآن لتوسيع دراسته لتشمل أنواعًا أخرى من الدببة، بالإضافة إلى دراسة التغيرات الجينية التي قد تساهم في هذه الآليات الفريدة. كما يهدفون إلى تحديد المركبات الحيوية التي تلعب دورًا في تنظيم إعادة التشكيل العظمي لدى الدببة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة لهشاشة العظام وفقدان العظام.
من المتوقع أن يتم نشر نتائج هذه الدراسات الإضافية في غضون عامين. في الوقت الحالي، تشير الأبحاث إلى أن الدببة قد تحمل مفتاحًا لفهم أفضل لكيفية الحفاظ على صحة العظام في ظل الظروف القاسية، وهو ما قد يكون له آثار بعيدة المدى على صحة الإنسان.


