في عالم الحفريات، يُعد العثور على عظام ماموث أمرًا مثيرًا، حيث يفتح نافذة على عصور ما قبل التاريخ. ولكن، اكتشاف ما كان يُعتقد أنه أصغر ماموث عمرًا في ألاسكا، تحول إلى قصة علمية أكثر تعقيدًا، كشفت عن أخطاء في التصنيف وأهمية التحقق المستمر من البيانات. هذا الاكتشاف غير المتوقع سلط الضوء على التحديات التي تواجه علماء الحفريات وأهمية استخدام أحدث التقنيات في تحليل العينات.
بدأت القصة في جامعة ألاسكا فيربانكس، مع مشروع يهدف إلى تحديد تواريخ دقيقة لحفريات الماموث الموجودة في المتحف. خلال هذا المشروع، لفتت انتباه الباحثين عينتان من فقرات عظمية عُثر عليها في خمسينيات القرن الماضي. ومع ذلك، أظهرت التحاليل الأولية نتائج غير متوقعة، مما دفع الفريق إلى إعادة تقييم طبيعة هذه العظام.
تبنَّ ماموثًا: تحول في مسار البحث
أشار التأريخ بالكربون المشع إلى أن عمر العينات يتراوح بين 1900 و2700 عام فقط، وهو عمر أصغر بكثير من أي ماموث تم تأريخه سابقًا في ألاسكا. هذا التناقض أثار شكوكًا حول هوية العظام، حيث تشير الأدلة إلى أن الماموث قد انقرض من البر الرئيسي لألاسكا قبل حوالي 13000 عام.
يقول ماثيو وولر، مدير مرفق النظائر المستقرة في جامعة ألاسكا فيربانكس والباحث الرئيسي في المشروع: “نتائج التأريخ بالكربون المشع في البداية جعلتنا نعتقد أن هذه العينات تتطلب مزيدًا من البحث، لأنها أصغر بنحو عشرة آلاف سنة مقارنة بأي ماموث تم تأريخه سابقًا في ألاسكا”.
الكيمياء تكشف الحقيقة
لحل هذا اللغز، لجأ الباحثون إلى تحليل كيميائي متقدم للنظائر المستقرة للكربون والنيتروجين. هذه النظائر تعمل كبصمة كيميائية تعكس النظام الغذائي للكائن الحي. أظهرت التحاليل أن العظام تحتوي على نظائر كربون ونيتروجين تتوافق مع الكائنات البحرية، وليس مع الماموث الذي يتغذى على النباتات.
بالإضافة إلى ذلك، أكد تحليل الحمض النووي القديم أن العظام تعود إلى نوعين من الحيتان: حوت شمال الهادئ الصائب وحوت المنك. هذا التأكيد أنهى الجدل حول هوية العظام، وكشف عن خطأ في التصنيف حدث في الأصل قبل عقود.
لغز العظام: كيف وصلت الحيتان إلى الغابة؟
السؤال الذي بقي مطروحًا هو كيف وصلت عظام الحيتان إلى منطقة تبعد مئات الكيلومترات عن الساحل. يرجح الباحثون أن السبب يعود إلى “خطأ بشري” أثناء جمع ونقل الحفريات في الخمسينيات. كان جامع الحفريات الشهير “أوتو غايست” يجمع عينات من السواحل والمناطق الداخلية في نفس الوقت، ومن المحتمل أن يكون قد حدث خلط بين العينات.
يقول وولر: “من المرجح أن صندوقًا من عظام الساحل اختلط بصندوق من عظام الداخل، ليظل هذا الخطأ مدفونًا في الأرشيف لسبعين عامًا”. هذا الخطأ يسلط الضوء على أهمية توثيق العينات بشكل دقيق وتطبيق معايير علمية صارمة في عملية التصنيف.
هذا الاكتشاف يمثل أيضًا فرصة لدراسة تاريخ الحيتان في شمال المحيط الهادئ. يمكن أن تساعد البيانات المستخلصة من هذه العظام في فهم أفضل لهذه الأنواع المهددة بالانقراض، وربما في تطوير استراتيجيات لحمايتها. تُعد الحفريات مصدرًا هامًا للمعلومات حول التغيرات البيئية التي حدثت في الماضي، ويمكن أن تساعدنا في التنبؤ بالتغيرات المستقبلية.
الآن، يركز الباحثون على تحليل الحمض النووي القديم بشكل أعمق لفهم العلاقات التطورية بين حيتان شمال الهادئ وحيتان المنك. من المتوقع أن يتم الانتهاء من هذا التحليل في غضون عام، مما قد يوفر رؤى جديدة حول تاريخ هذه الأنواع. كما يخططون لمراجعة شاملة لتصنيف الحفريات الأخرى في المتحف، للتأكد من دقتها وتجنب تكرار الأخطاء السابقة. ستظل التحاليل الكيميائية و الحمض النووي أدوات أساسية في هذا الجهد.


