أظهرت دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة قرطاج التونسية، إمكانات علاجية واعدة لأربعة أنواع من النباتات الصحراوية الموجودة في جنوب تونس. وتكشف الدراسة عن قدرة هذه النباتات على إنتاج مركبات مضادة للميكروبات، قد تكون أكثر فعالية من تلك الموجودة في النباتات التي تنمو في بيئات معتدلة، مما يفتح آفاقًا جديدة لتطوير أدوية لمكافحة البكتيريا والفطريات المقاومة للأدوية.
نُشرت نتائج البحث في دورية “جورنال أوف بروتيوميكس” (Journal of Proteomics)، وتستند إلى تحليل دقيق للتنوع الجزيئي في أجزاء مختلفة من النباتات – الجذور والأوراق والبذور – بهدف تحديد المركبات النشطة التي يمكن تطويرها كمضادات ميكروبات مستقبلية. تأتي هذه الدراسة في ظل تزايد المخاوف العالمية بشأن مقاومة المضادات الحيوية، والحاجة الماسة إلى مصادر جديدة للعلاج.
القدرات العلاجية للنباتات الصحراوية
وفقًا للدكتورة رؤى بن إبراهيم، الباحثة الرئيسية في الدراسة، فإن النباتات الصحراوية تتعرض لظروف بيئية قاسية مثل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والإشعاع فوق البنفسجي، مما يحفزها على إنتاج مستقلبات ثانوية فريدة كآلية دفاع. وتضيف أن هذه المستقلبات قد تحتوي على مركبات مضادة للميكروبات ذات هياكل جزيئية متنوعة، مما يزيد من فعاليتها.
شملت الدراسة نباتات “القتاد المسلح” (أستراغالوس أرماتوس)، ونفل الرمال (أنثليس سيريسيا)، والعوفيص (جينستا ميكروسيفالا)، ورانتيوم ذي الرائحة العطرة (رانتيريوم سوافيولينز). وقد أظهرت التحاليل أن البذور كانت الأغنى بالمركبات الدفاعية، مما يعكس دورها في ضمان بقاء الجيل القادم من النباتات.
تقنيات تحليل متطورة
اعتمد الباحثون على تقنيات متطورة لتحليل التركيب الجزيئي للنباتات، بما في ذلك “مطياف الكتلة بالتأين بمساعدة الليزر والمصفوفة”، وهي تقنية تسمح برسم “بصمة جزيئية” دقيقة للنباتات. كما استخدموا تقنية تجمع بين الكروماتوغرافيا السائلة ومطياف الكتلة لفصل وتحديد الجزيئات النشطة داخل النباتات.
وكشفت هذه التحاليل عن وجود مئات الببتيدات المختلفة في النباتات، مع تسجيل نبات “أستراغالوس أرماتوس” أعلى عدد من الببتيدات بـ564 جزيئًا. وقد أظهرت الاختبارات البيولوجية أن جميع النباتات تمتلك نشاطًا مضادًا للبكتيريا والفطريات بدرجات متفاوتة.
نتائج واعدة في مكافحة الفطريات
أظهرت الدراسة أن جذور نبات “أستراغالوس أرماتوس” أبدت فعالية قوية في تثبيط نمو فطر “الرشاشيات الدخناء”، وهو فطر يمكن أن يسبب التهابات خطيرة في الرئتين. وقد تمكن الباحثون من تحديد بروتينات محددة في الجذور مسؤولة عن هذا التأثير، بما في ذلك بروتين “إندوكيناز 2” وعائلة “بروتين شبيه بالثوماتين”.
وتشير النتائج إلى أن النباتات الصحراوية قد تمثل مصدرًا واعدًا للمركبات الجديدة المضادة للميكروبات، خاصة في ظل تزايد مقاومة الفطريات والبكتيريا للأدوية الحالية. وتعتبر هذه الاكتشافات خطوة مهمة في البحث عن حلول جديدة لمكافحة الأمراض المعدية.
مستقبل الأبحاث والتطبيقات
على الرغم من النتائج الواعدة، تؤكد الدكتورة رؤى بن إبراهيم أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتقييم سلامة وفعالية هذه المركبات قبل تطويرها إلى علاجات. وتشمل الخطوات التالية عزل وتنقية المركبات النشطة، وإجراء اختبارات مخبرية وحيوانية، ثم تجارب سريرية على البشر.
وتشير إلى أن عملية تطوير دواء جديد قد تستغرق سنوات عديدة، وتتطلب استثمارات كبيرة. ومع ذلك، فإن الإمكانات العلاجية للنباتات الصحراوية تستحق الاستكشاف، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى مصادر جديدة للمضادات الحيوية. ومن المتوقع أن تشهد الأبحاث في هذا المجال تطورات جديدة في السنوات القادمة، مما قد يؤدي إلى اكتشاف أدوية مبتكرة لمكافحة الأمراض المعدية.
وتعتبر هذه الدراسة إضافة قيمة للمعرفة العلمية حول النباتات الطبية، وتؤكد على أهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي في المناطق الصحراوية. كما تسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه الأبحاث العلمية في تطوير حلول مبتكرة للتحديات الصحية العالمية، بما في ذلك مقاومة المضادات الحيوية.


