قد تبدأ القصة برنين هاتف عادي، وصوت هادئ يدّعي أنه مندوب توصيل ينتظر تأكيدك. دقائق قليلة فقط، وربما ضغطة أزرار بريئة، كفيلة بأن تفتح الباب أمام القراصنة للسيطرة على هاتفك بالكامل دون أن تشعر. هذا السيناريو لم يعد افتراضياً، بل تحذّر منه اليوم جهات رسمية وخبراء أمن إلكتروني حول العالم. ففي ظل التطور المتسارع في أساليب الاحتيال عبر الهاتف، يبرز أسلوب جديد يستغل ثغرات في رموز USSD، مما يهدد خصوصية وأمن المستخدمين.
تحذيرات دولية من استغلال رموز USSD
أصدرت وحدات مكافحة الجرائم الإلكترونية في عدد من دول العالم تحذيرات للمستخدمين، تنبّه فيها إلى أسلوب احتيالي جديد يعتمد على استغلال رموز بيانات الخدمة المعروفة بـ USSD، التي يمكن استخدامها لتحويل المكالمات الهاتفية دون علم أصحابها. هذا التطور يثير قلقاً بالغاً، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الهواتف الذكية في مختلف جوانب حياتنا اليومية.
كيف يعمل هذا النوع من الاحتيال؟
يعتمد هذا الاحتيال على خداع المستخدمين لإدخال رموز USSD ضارة. يبدأ الأمر غالباً باتصال هاتفي يبدو طبيعياً، من شخص يدّعي أنه مندوب شركة توصيل أو موظف خدمة عملاء، بحجة تأكيد موعد تسليم طرد أو إعادة جدولته. هذه المكالمات تستغل ثقة المستخدمين، خاصةً مع ازدياد التسوق عبر الإنترنت.
وخلال المكالمة، يُطلب من المستخدم إدخال رمز USSD يتم إرساله عبر رسالة نصية. هذه الرموز، التي تتكوّن من أرقام وعلامات مثل النجمة (*) والهاش (#)، تُستخدم عادة لخدمات مشروعة كمعرفة الرصيد أو تفعيل بعض الخصائص. لكن في هذا السياق، تُستغل لتنفيذ أوامر تلقائية، مثل تحويل المكالمات.
تفعيل تحويل المكالمات الخفي
غالباً ما تبدأ هذه الرموز بأرقام مثل 21 أو 61 أو 67 متبوعة برقم هاتف آخر. وبمجرد إدخالها، يتم تفعيل خاصية تحويل المكالمات فوراً إلى رقم يتحكم فيه المهاجم، دون أن يظهر للمستخدم أي تنبيه واضح. هذا التحويل يتم بشكل صامت، مما يجعل اكتشافه أمراً صعباً.
خطر الوصول إلى الرموز الحساسة
ونتيجة لذلك، يستطيع المحتالون اعتراض المكالمات الواردة من البنوك أو خدمات التحقق، بما في ذلك المكالمات التي تحتوي على رموز التحقق أحادية الاستخدام. هذا يمنحهم فرصة الوصول إلى الحسابات البنكية أو الرقمية للضحية، مما قد يؤدي إلى خسائر مالية فادحة. الوصول إلى هذه الرموز يمثل تهديداً حقيقياً للأمن المالي الشخصي.
لماذا يُعد هذا الاحتيال بالغ الخطورة؟
تكمن خطورة هذا النوع من الهجمات في عدة عوامل. أولاً، رموز USSD لا تحتاج إلى اتصال بالإنترنت، وتُنفّذ فور إدخالها، وغالباً دون ترك أثر واضح في إعدادات الهاتف. هذا يجعل من الصعب تتبع مصدر الهجوم أو إيقافه.
ثانياً، برامج الحماية التقليدية قد لا تكتشف هذا الاحتيال، لأنه يعتمد على وظائف مشروعة داخل شبكة الاتصالات نفسها. برامج مكافحة الفيروسات مصممة للكشف عن البرامج الضارة، ولكنها قد لا تكون قادرة على التعرف على هذه الرموز كتهديد.
دور الهندسة الاجتماعية في نجاح الاحتيال
إضافة إلى ذلك، تسهم تقنيات الهندسة الاجتماعية في نجاح هذه الحيل. يميل كثير من المستخدمين إلى الثقة بالمتصلين الذين يدّعون تمثيل شركات توصيل، خصوصاً مع ازدياد الاعتماد على التسوق الإلكتروني. المحتالون يستغلون هذه الثقة لخداع الضحايا.
كيف تحمي نفسك من الاحتيال عبر رموز USSD؟
لحماية نفسك من هذا النوع من الاحتيال عبر الهاتف، يجب اتباع بعض الإجراءات الوقائية البسيطة ولكن الفعالة.
- عدم إدخال الرموز غير المعروفة: لا تقم بإدخال أي رموز USSD يتم إرسالها من أرقام غير معروفة أو عبر رسائل غير متوقعة.
- التحقق من هوية المتصل: في حال طلب منك شخص ما إدخال رمز بحجة التحقق، يُفضل التأكد أولاً من رقم المتصل عبر الموقع الرسمي للشركة أو من خلال تطبيق التتبع المعتمد.
- مراجعة إعدادات الهاتف: قم بمراجعة إعدادات الهاتف وإلغاء تفعيل خدمة تحويل المكالمات فوراً عند الشك بأي طلب غير معتاد.
- الحذر من العروض المغرية: كن حذراً من العروض المغرية أو الرسائل التي تطلب معلومات شخصية أو مالية.
- تحديث نظام التشغيل: تأكد من تحديث نظام تشغيل هاتفك بانتظام، حيث تتضمن التحديثات غالباً إصلاحات أمنية.
أهمية التوعية بمخاطر الأمن السيبراني
التوعية بمخاطر الأمن السيبراني هي خط الدفاع الأول ضد هذه الهجمات. يجب على المستخدمين أن يكونوا على دراية بأساليب الاحتيال المختلفة وأن يتعلموا كيفية حماية أنفسهم. كما يجب على شركات الاتصالات والمؤسسات المالية أن تعمل على تعزيز الإجراءات الأمنية وتوفير أدوات الحماية للمستخدمين.
الخلاصة: كن يقظاً لحماية بياناتك
إن الاحتيال عبر الهاتف باستخدام رموز USSD يمثل تهديداً جديداً ومتزايداً. من خلال فهم كيفية عمل هذا الاحتيال واتخاذ الاحتياطات اللازمة، يمكنك حماية نفسك وبياناتك من الوقوع في الفخ. تذكر دائماً، اليقظة والحذر هما أفضل وسيلة للدفاع ضد هذه الهجمات. لا تتردد في الإبلاغ عن أي محاولة احتيال تواجهها إلى الجهات المختصة.



