ظل الحديث عن طول العمر الصحي مرتبطًا بممارسات أساسية مثل المواظبة على النشاط البدني، وتناول طعام صحي، والحصول على نوم جيد. ولكن، كشفت الأبحاث الحديثة، التي تابعت أكثر من 3000 شخص في منتصف العمر لمدة تقارب 30 عامًا، عن عامل آخر قد يشكل مقياسًا لمدى صحة أجسامنا مع التقدم في العمر، وهو المرونة. هذه الدراسة، التي نشرت نتائجها مؤخرًا، تلقي الضوء على أهمية جانب غالبًا ما يتم تجاهله في رحلة الحفاظ على صحة جيدة وطويلة الأمد.

أهمية المرونة للصحة وطول العمر

وجد الباحثون في الدراسة، التي تُعد الأولى في تتبع العلاقة بين المرونة والوفيات ونُشرت في المجلة الإسكندنافية للطب والعلوم الرياضية أواخر عام 2024، أن “الأشخاص ذوي المرونة الجسدية الأقل، كانوا أكثر عرضة للوفاة المبكرة، من أولئك الذين يتمتعون بمرونة أكبر في مفاصلهم”. تشير هذه النتائج إلى أن المرونة – المهملة غالبًا – قد تكون مؤشرًا مهمًا على الصحة على المدى الطويل، وليست مجرد قدرة على لمس أصابع القدمين.

وقال المشرف الرئيسي على الدراسة الدكتور كلاوديو أراوجو، عميد البحث والتعليم في عيادة طب التمارين الرياضية بريو دي جانيرو في البرازيل إن “المرونة تُعد عنصرا أساسيا في خفض خطر الوفاة المبكرة، إلى جانب اللياقة، والتوازن، وقوة العضلات”. وبغض النظر عن نوع التمرين الذي تمارسه، فقد أوصى أراوجو بتخصيص 5 دقائق على الأقل من الوقت لتمارين الإطالة والتمدد: “للحصول على فوائد طويلة الأمد وذات قيمة كبيرة، للحفاظ على المرونة الجسدية المهمة لتعزيز الصحة”.

المرونة والعمر الصحي: ما الذي كشفته الدراسة؟

بعد أخذ عوامل مثل السن، ومؤشر كتلة الجسم، والحالة الصحية، في الاعتبار؛ تبين أن المشاركات في الدراسة واللاتي حصلت على درجة منخفضة في اختبار المرونة، “كانت أكثر عرضة للوفاة المبكرة بمقدار 4.78 مرة، مقارنة بالمشاركات اللاتي حصلت على درجات عالية في الاختبار”. هذا الفارق الكبير يؤكد على الدور الحاسم الذي تلعبه المرونة في صحة المرأة.

كما لوحظ تفاوت كبير بين الرجال، إذ “كان الرجال الأقل مرونة، أكثر عرضة للوفاة المبكرة بمقدار 1.87 مرة، من الرجال ذوي المرونة الأعلى”. هذا يشير إلى أن المرونة مهمة للرجال والنساء على حد سواء، ولكن قد تكون لها تأثير أكبر على صحة المرأة.

لماذا المرونة مرتبطة بطول العمر؟

يُرجع أراوجو ربط المرونة بطول العمر، إلى أسباب تتعلق بخطر السقوط؛ موضحا أن “السقوط يُعد سببا رئيسيا للإصابات والوفيات للبالغين في منتصف العمر ولدى كبار السن”. مما يجعل الأشخاص ذوي المرونة الأفضل، “أكثر قدرة على تجنب السقوط، أو تقليل الصدمات عند السقوط”. بالإضافة إلى ذلك، يشير الدكتور شين ديفيس، اختصاصي الطب الرياضي في مركز تافتس الطبي بمدينة بوسطن في الولايات المتحدة، إلى أن “مرونة الجهاز العضلي ترتبط أيضا بمرونة الجهاز الدوري، وبالتالي فهي مؤشر على صحة الأوعية الدموية وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب”.

“بينما يؤثر تصلب الأنسجة سلبا على المرونة، مما يُسهم في تصلب الأوعية الدموية”، بحسب أراوجو. ويقول ديفيس إن “المرونة مفيدة للمفاصل والأوتار، مما يُسهل أداء وظائف الجسم بشكل أفضل، ويعزز نمط حياة أكثر نشاطا، ويُحسن التوازن، ويمنح عمرا صحيا أطول”. لذا، فإن الحفاظ على المرونة ليس مجرد مسألة راحة، بل هو استثمار في صحة القلب والأوعية الدموية.

تمارين زيادة المرونة: فوائد للعقل والجسم

“فوائد الإطالة والتمدد كثيرة لدرجة يصعب معها تصديق أننا لا نلتزم جميعا بروتين تمدد يومي بانتظام”؛ كما تقول مدربة اليوغا المعتمدة كاتي باكي. موضحة أن “التمدد يساعد على زيادة المرونة، ويحسن الدورة الدموية، ووضعية الجسم، ويقلل الإصابات وآلام العضلات”. كما قد يساهم في “دعم الصحة النفسية، بتحفيزه للهدوء والاسترخاء؛ ويُحسن التركيز، ويساعد على تخفيف التوتر”.

وتؤكد اختصاصية العلاج الطبيعي ساشا سايريلسون أن فوائد تمارين التمدد لا تقتصر على الصالة الرياضية فحسب، فالمواظبة عليها قد تساعد في علاج انقباض العضلات الناتج عن البقاء في وضعية واحدة لفترة طويلة. كما أنها تساعد في إرخاء العضلات المشدودة، وتسهيل الأنشطة اليومية.

تمارين بسيطة لتحسين المرونة

إليك بعض التمارين البسيطة التي يمكنك دمجها في روتينك اليومي:

  • تمرين الفراشة: الجلوس على الأرض، ثني الركبتين، وجمع باطن القدمين.
  • تمرين الانحناء للأمام مع الجلوس: الجلوس على الأرض، مد الساقين، والانحناء للأمام.
  • تمرين إطالة عضلات الساق باستخدام الحائط: الوقوف أمام الحائط وإطالة الساق الخلفية.
  • تمرين إطالة العضلة ثلاثية الرؤوس (Triceps): مد الذراعين فوق الرأس وثني المرفق.
  • تمرين ثني الركبة نحو الصدر: الاستلقاء على الظهر وسحب الركبة نحو الصدر.

اختبار مرونتك في المنزل

وفقا للدكتور أراوجو، بدأ اختبار المرونة المعروف باسم “اختبار الجلوس والوصول” في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بالجلوس على الأرض وفرد الساقين ولمس أصابع القدمين. ولكن، يوصي الدكتور ديفيس باختبار منزلي بسيط آخر، وهو “محاولة النهوض من الأرض إلى وضعية الوقوف دون استخدام الذراعين للدعم”.

في الختام، تؤكد الأبحاث الحديثة على أن المرونة ليست مجرد جانب ثانوي من جوانب الصحة، بل هي عنصر أساسي في طول العمر والصحة الجيدة. دمج تمارين الإطالة والتمدد في روتينك اليومي، حتى لبضع دقائق فقط، يمكن أن يكون له تأثير كبير على صحتك الجسدية والعقلية. ابدأ اليوم في تحسين مرونتك واستثمر في مستقبل صحي أطول.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version