في يوم الجمعة الموافق 20 رجب 1447 هـ، 9 يناير 2026، استقبلت المملكة العربية السعودية نبأً مفجعاً بوفاة الفريق أول سعيد القحطاني، رحمه الله. غيب الموت أحد أبرز رجالات الأمن، وأكثرهم تفانياً وإخلاصاً، ليترك خلفه إرثاً من العطاء والخدمة. ووري جثمانه الطاهر بمقبرة عرقة بالرياض، وسط حزنٍ عميقٍ وتأثرٍ بالغ من زملائه ومحبيه. نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفريق سعيد القحطاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.

مسيرة حياة حافلة بالعطاء والأمن

رحل الفريق سعيد القحطاني بعد مسيرة مهنية ممتدة لأكثر من خمسة عقود في خدمة الوطن، وتحديداً في المنظومة الأمنية. لم تكن مساهماته مجرد واجب وظيفي، بل كانت تجسيداً للولاء والانتماء، حيث قدم الكثير لدينه ووطنه. لم يكن فقيدنا مجرد ضابط، بل كان قدوةً في الجدارة والعمل الدؤوب، تاركاً بصمة واضحة في كل موقع تولاه.

بدايات مبكرة وإشراقة في مجال الأمن

تعرفت عليه -رحمه الله- في أواخر عام 1406 هـ، خلال اجتماع أمني بالرياض. حينها كان برتبة رائد، إلا أنه سرعان ما لفت الأنظار ببرزانته، وعمق فكره الأمني، واتزانه في الحديث. كان محور النقاش بعد كل اجتماع، حيث كان الجميع يتحدث عن رؤيته الثاقبة، وجمال طرحه، وقدرته الفائقة على الاستماع إلى الآراء المختلفة ومناقشتها بهدوء وروية. لم يكن صوته يعلو، بل كانت أفكاره هي التي ترتفع وتفرض نفسها.

تقدير الزملاء والقادة

لم يكن الفريق سعيد القحطاني مجهولاً قبل ذلك، فقد عرفه قادة الأمن آنذاك، مثل اللواء فيصل الحارثي، مدير شرطة منطقة مكة المكرمة، واللواء عبدالله بن معيض العبيدي، مدير شرطة الطائف، رحمهما الله. كان محل ثناء وتقدير الجميع، وإيمانهم بقدراته وكفاءته العالية. هذه الثقة المبكرة كانت بمثابة نقطة انطلاق لمسيرة حافلة بالإنجازات.

دور محوري في أمن الحج

على مدار قرابة العشرين عاماً، تشرفت بالمشاركة في مهمات الحج تحت قيادته المباشرة. وبفضل طبيعة هذه المهمة الحساسة، كان الفريق سعيد القحطاني يتمتع بثقة كبيرة من رؤسائه، واحترام بالغ من مرؤوسيه. كان يزداد هدوءاً وثقة في التعامل مع الأحداث الكبيرة والتحديات المعقدة التي قد تشهدها بعض المواسم.

حنكة أمنية في قلب الأحداث

كان حضوره في تلك الأحداث لافتاً، يتعامل معها بمنطق رجل الدولة، وحنكة رجل الأمن الحاذق. كان يمتلك القدرة على استشعار المخاطر المحتملة، واتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب. شارك في كل مواسم الحج منذ التحاقه بالأمن العام، وصولاً إلى منصبه الأخير كمساعد وزير الداخلية لشؤون العمليات، مما أكسبه خبرة عملية واسعة انعكست إيجاباً على أدائه. الأمن العام كان دائماً محط اهتمامه.

رجل دولة ذو رؤية ثاقبة

لا يجانب الصواب من يقول إن الفريق سعيد القحطاني كان رجلاً دولة من طراز رفيع. كان يدرك تماماً أهمية الاستماع إلى جميع الأطراف، ويحتفي بالمختلف معه أكثر من المتفق. لقد وعى مبكراً التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشهدها المنطقة، مما ساهم في نبوغه وبروز مكانته في وزارة الداخلية.

تقدير الأمير نايف والأفكار المبتكرة

الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – كان يقدر كفاءته عالياً، وأشاد به في اجتماع أمني بوزارة الداخلية لنجاحه في مهمة خارجية أدارها بكفاءة واقتدار، حينما كان برتبة عميد. لم يكتفِ بذلك، بل قدم العديد من الأفكار المبتكرة التي تحولت إلى واقع ملموس، وتحفل بها سجلات وزارة الداخلية و الأمن الداخلي.

ذاكرة فولاذية وخبرة لا تقدر بثمن

كان الفريق سعيد القحطاني بمثابة ذاكرة الأمن، بفضل ذاكرته الفولاذية التي تحتفظ بأدق التفاصيل والأحداث. هذا ما جعله خبيراً أمنياً رفيع المستوى، قادراً على فهم الأحداث وتحليلها، والتفاعل معها بشكل إيجابي وفعال. كانت خبرته بمثابة كنز لا يقدر بثمن، يستفيد منه الجميع.

أخلاق عالية وتوديع أخير

تتوج كل هذه الصفات بأخلاق عالية، وتعامل راقٍ مع الجميع، وعفاف يد ولسان. الآن وقد انتقل إلى رحمة الله، لا يسعنا إلا أن ندعو له بالرحمة والمغفرة، وأن ينزله منزلة الصديقين والشهداء والصالحين في الفردوس الأعلى من الجنة. الموت هو سنة الحياة، ولكن رحيل أمثال الفريق سعيد القحطاني يترك فراغاً كبيراً في قلوبنا وفي وطننا.

ولا أجد في هذه العجالة أبلغ مما قاله الشاعر القديم:

إذا سيدٌ منا مضى قام سيدٌ
قؤولٌ لما قال الكرام فعولُ

رحمك الله يا أبا طارق، وأسكنك فسيح جناته. نسأل الله أن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version