فن الجداريات في ليبيا: تعبير إنساني بين القيود والأمل

تُشكل الفنون بمختلف أنواعها وتجلياتها بوابة للتعبير الإنساني، يعبر الفرد من خلالها عما يختزنه من مشاعر وأسئلة، مفرغًا مكنونه في صيغة بصرية كانت أو سمعية. فن الجداريات تحديدًا، يكتسب في ليبيا سياقًا خاصًا، إذ انبثق مع لحظة الثورة معبرًا عن الحرية والرفض والأمل، محققًا في بداياته انتشارًا واسعًا وتأثيرًا عميقًا. ورغم التراجع الذي شهده هذا الفن، إلا أنه لم يختفِ تمامًا، بل ظل محصورًا في نطاقات ضيقة، يعتمد على إصرار الفنانين ومحاولاتهم الدؤوبة. هذا المقال يسلط الضوء على واقع فن الجداريات في ليبيا، التحديات التي تواجهه، وطموحات الفنانين لإحيائه.

نشأة وتطور فن الجداريات الليبي

بدأ فن الجداريات في ليبيا يزدهر خلال وبعد ثورة 17 فبراير 2011، كأداة قوية للتعبير عن الرغبة في التغيير، وتوثيق الأحداث، وتقديم رسائل سياسية واجتماعية. كانت الجدران بمثابة لوحات مفتوحة للرسامين، تعكس نبض الشارع وتطلعاته. تميزت تلك الجداريات في بدايتها بالعفوية والتلقائية، لكنها سرعان ما تطورت لتشمل تقنيات وأساليب فنية متنوعة.

الفنان سالم المزوغي من بنغازي، المهتم بالغرافيك وفن الهيب هوب، يصف فن الجداريات بأنه فن صعب في ليبيا، لأنه ينقل رسائل وآراء قد تنتقد السلطة. ويضيف أن حلمه هو أن يصبح هذا الفن معترفًا به على نطاق واسع، وأن يساهم من خلال تجربته في تقديم الحرف العربي بحداثة تعبر عن الهوية العربية والثقافية للجيل الشاب.

التحديات التي تواجه فناني الجداريات

على الرغم من الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها فن الجداريات في ليبيا، إلا أنه يواجه العديد من التحديات التي تعيق تطوره وازدهاره. من أبرز هذه التحديات:

  • الإجراءات الأمنية المعقدة: الحصول على التصاريح اللازمة للرسم على الجدران يتطلب إجراءات طويلة ومعقدة، وغالبًا ما يفرض قيودًا على المحتوى الفني.
  • غياب الدعم المؤسسي: يفتقر فناني الجداريات إلى الدعم المادي والمعنوي من المؤسسات الحكومية والخاصة، مما يحد من قدرتهم على تنفيذ مشاريع فنية كبيرة.
  • نقص المساحات المخصصة: تفتقر المدن الليبية إلى مساحات حضرية مخصصة للرسم على الجدران، مما يجبر الفنانين على البحث عن جدران مهجورة أو غير قانونية.
  • الرقابة والتنظيم: يشير الفنانون إلى وجود رقابة وتدخل في أعمالهم الفنية، مما يحد من حريتهم الإبداعية.

الفنان محمد شندول، الذي بدأ مسيرته الفنية بالرسم على سور باب العزيزية، يؤكد أن الإشكال لا يكمن فقط في الحصول على التصاريح، بل في عدم تهيئة الظروف المناسبة للعمل، مثل توفير المساحات الملائمة.

جهود رسمية ومبادرات فردية لإحياء فن الجداريات

تحاول بلدية طرابلس المركز، وفقًا لعضو المجلس لطيفة الطبيب، تتبع إجراءات تنظيمية لدعم فناني الجداريات وتسهيل حصولهم على التصاريح. كما تسعى البلدية إلى إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية لتسجيل الجداريات المنفذة والمخطط تنفيذها، بهدف تحديد المواقع المناسبة واقتراح الرسومات الملائمة.

إلا أن الخبيرة القانونية جازية شعيتير تشير إلى أن عملية استخراج التصاريح لا تزال تواجه عقبات، بسبب تعقيد المسار الإداري وتعدد الإجراءات.

وفي ظل هذه التحديات، يلجأ الفنانون إلى مبادرات فردية لإحياء فن الجداريات. الفنان محمد بوليفة، على سبيل المثال، لجأ إلى الرسم الرقمي ونشر صور جدارياته على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد استحالة الحصول على تصريح للرسم على جدار في بنغازي. وقد لاقت هذه الصور رواجًا واسعًا وساهمت في فتح حوار حول إعادة إعمار المدينة.

رؤى مستقبلية لتعزيز فن الجداريات في ليبيا

لتعزيز فن الجداريات في ليبيا وضمان استمراره، يقترح الفنانون والمهتمون بالشان الثقافي عدة إجراءات:

  • إطلاق برامج توعوية: لتعريف الجمهور بفن الجداريات وأهميته الثقافية والاجتماعية.
  • تخصيص مساحات حضرية: لتوفير مساحات مناسبة للرسم، بعيدًا عن القيود والمساحات الهامشية.
  • تبسيط إجراءات التصاريح: وتوحيد الآلية المتبعة لمنح التصاريح، لتسهيل عمل الفنانين.
  • الاستفادة من الخبرات الفنية: في إبراز الهوية الوطنية وتوثيق التاريخ والثقافة الليبية من خلال الجداريات.
  • إدماج فن الجداريات: في المشاريع الثقافية والتنموية المستدامة، مثل تجميل الأحياء وإعادة تأهيل الفضاءات العامة.
  • دعم الفنانين: من خلال توفير الدعم المادي والمعنوي، وتشجيع إقامة الورش الفنية وتبادل الخبرات.

يرى الفنان والكاتب عدنان معيتيق أن تجربة الجداريات في ليبيا تشهد تطورًا لافتًا، وأن دعم هذا الفن يتطلب إجراءات بسيطة، مثل تخصيص البلديات لمساحات رسم في الساحات والميادين.

في الختام، يظل فن الجداريات في ليبيا تعبيرًا حيًا عن الإبداع الإنساني، ورغم التحديات التي تواجهه، إلا أن إصرار الفنانين وطموحاتهم العالية تبشر بمستقبل واعد لهذا الفن. إن دعم هذا الفن وتشجيعه ليس مجرد دعم للإبداع الفردي، بل هو دعم للهوية الوطنية والثقافة الليبية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version