مستقبل النفط الليبي: اتفاقيات تاريخية تفتح آفاقاً جديدة
يمثل توقيع حكومة طرابلس اتفاقيات تطوير قطاع النفط الليبي مع شركتي “توتال إنرجيز” الفرنسية و”كونوكو فيليبس” الأمريكية، نقطة تحول محورية في مسيرة الاقتصاد الليبي. هذه الخطوة، التي تم الإعلان عنها في 27 يناير 2026، تحمل في طياتها وعوداً بزيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز مكانة ليبيا كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي. الاتفاقيات، التي تمتد على مدار 25 عاماً، تهدف إلى مضاعفة إنتاج شركة الواحة للنفط، وتفتح الباب أمام استثمارات ضخمة تقدر بـ 20 مليار دولار.
ليبيا والنفط: احتياطات هائلة وتحديات ما بعد الحرب
لطالما كانت ليبيا تتمتع بأكبر احتياطات نفطية في القارة الأفريقية، حيث بلغ إنتاجها في الماضي مستويات تضاهي إنتاج المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، شهد قطاع النفط في ليبيا تراجعاً حاداً في الاستثمارات الدولية بعد اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، والتي أدت إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.
هذا التراجع أثر بشكل كبير على قدرة ليبيا على الحفاظ على مستويات إنتاجها، وتطوير حقولها النفطية القائمة، واكتشاف حقول جديدة. شركة الواحة للنفط، وهي إحدى الشركات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، كانت تنتج حوالي 350 ألف برميل يومياً قبل الاتفاقيات الجديدة.
تفاصيل الاتفاقيات: استثمارات بـ 20 مليار دولار وزيادة الإنتاج
الاتفاقيات المبرمة مع “توتال إنرجيز” و”كونوكو فيليبس” تتضمن تطوير أربعة حقول نفطية جديدة، بالإضافة إلى برنامج استكشاف واسع النطاق يشمل 19 منطقة امتياز. هذا سيمنح الشركتين فرصة للاستفادة من النفط الليبي، الذي يعتبر من بين الأقل تكلفة في العالم من حيث الاستخراج، على مدى العقود القادمة.
الهدف الرئيسي من هذه الاستثمارات هو رفع إنتاج شركة الواحة للنفط إلى 850 ألف برميل يومياً. وتتوقع حكومة طرابلس تحقيق عائدات إجمالية لا تقل عن 376 مليار دولار خلال فترة الاتفاقية البالغة 25 عاماً. صرح رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة بأن هذه الشراكة تمثل “إنجازاً نوعياً وفريداً” يعكس تعزيز علاقات ليبيا مع كبار الشركاء الدوليين في قطاع الطاقة.
الاستكشاف والإنتاج: فرص واعدة في المناطق الجديدة
برنامج الاستكشاف الذي تتضمنه الاتفاقيات يمثل فرصة كبيرة لزيادة الاحتياطات النفطية الليبية. الـ 19 منطقة امتياز التي سيتم استكشافها قد تحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز، مما يعزز من مكانة ليبيا كمنتج رئيسي للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تطوير الحقول النفطية الجديدة سيساهم في تنويع مصادر الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الحقول القائمة.
دلالات جيوسياسية وتعاون إقليمي
لا تقتصر أهمية هذه الاتفاقيات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً جيوسياسية هامة. يُنظر إلى هذه الاتفاقيات على أنها إشارة قوية إلى الثقة المتزايدة من قبل شركات الطاقة الدولية، وحكومتي فرنسا والولايات المتحدة، في حكومة الدبيبة في طرابلس.
بالتزامن مع هذه الاتفاقيات، وقعت طرابلس مذكرتي تفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية وحكومة مصر، بهدف تعزيز التعاون في مجالات الخدمات اللوجستية للطاقة، والاستكشاف والإنتاج. هذا التعاون يأتي في ظل التوترات القائمة بين القاهرة وشرق ليبيا، المدعوم من خليفة حفتر، بسبب دعم حفتر لقوات “الدعم السريع” في السودان.
ردود الفعل الدولية وتأكيد الشراكة الأمريكية الليبية
أعربت العديد من الدول والمنظمات الدولية عن ترحيبها بالاتفاقيات الجديدة. السفارة الأمريكية لدى ليبيا أصدرت بياناً أكدت فيه أن توسيع شراكة كونسورتيوم الواحة مع “كونوكو فيليبس” يعد “مثالاً بارزاً على تعمّق التعاون بين الولايات المتحدة وليبيا”. كما حضر قمة الطاقة والاقتصاد في طرابلس المبعوث الأمريكي مسعد بولس، والد مايكل بولس، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مما يعكس الاهتمام الأمريكي المتزايد بقطاع النفط الليبي.
مستقبل واعد لقطاع الطاقة الليبي
تُعد اتفاقيات تطوير قطاع النفط الليبي خطوة حاسمة نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي والازدهار في البلاد. من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الإنتاج، وتنويع مصادر الطاقة، يمكن لليبيا أن تستعيد مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي.
ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها، بما في ذلك الحاجة إلى تحسين البنية التحتية، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وضمان الاستقرار السياسي والأمني. النجاح في هذه المجالات سيعزز من قدرة ليبيا على تحقيق أقصى استفادة من مواردها النفطية، وتحسين حياة مواطنيها. لمتابعة آخر التطورات في هذا المجال، يمكنكم زيارة موقع المؤسسة الوطنية للنفط والاطلاع على التقارير الاقتصادية المتخصصة في قطاع الطاقة في ليبيا.



