وافق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، اليوم الخميس، على إدراج الحرس الثوري الإيراني على “قائمة الإرهاب”، على خلفية ما وصفته مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بـ”حملة القمع العنيف” التي واجهت بها السلطات الإيرانية الاحتجاجات الأخيرة داخل الجمهورية الإسلامية. هذا القرار يضع المؤسسة العسكرية القوية في دائرة الضوء، ويثير تساؤلات حول دورها المتزايد في السياسة الإقليمية والدولية. فماذا نعرف عن الحرس الثوري الإيراني، هذه المؤسسة التي تحولت من قوة ثورية إلى لاعب مركزي في مفاصل الدولة الإيرانية؟

في الجذور والبنية

تأسس الحرس الثوري الإيراني عام 1979، عقب انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، تحت اسم “قوات حرس الثورة الإسلامية”. كان الهدف المعلن هو حماية أيديولوجيا الثورة والنظام الجديد. منذ نشأته، لم يخضع الحرس إلا لسلطة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وهو اليوم تحت إمرة آية الله علي خامنئي.

يعتبر الحرس جزءًا من القوات المسلحة الرسمية، ولكنه يتمتع ببنية مستقلة وقوات ذاتية متخصصة تشمل وحدات برية وبحرية وجو-فضائية. حاليًا، يقود الحرس اللواء محمد باكبور، الذي عُيّن في يونيو 2025 خلفًا للواء حسين سلامي، الذي قُتل في بداية الحرب الإسرائيلية على إيران. يُعرف عن المرشد الأعلى أنه يسمّي كبار قادة الحرس مباشرة، ما يعكس موقع المؤسسة الخاص داخل هرم السلطة.

يضم الحرس الثوري جهاز استخبارات يوصف بأنه “الأقوى داخل النظام الإيراني”، إلى جانب قوة بشرية تُقدّر بنحو 150 ألف عنصر من القوات النخبوية. هذه القوات مدعومة بشبكة شبه عسكرية واسعة هي قوات التعبئة “الباسيج”. تشير تقديرات مراكز بحوث أمريكية إلى أن عدد عناصر “الباسيج” يتراوح بين 600 ألف و900 ألف عنصر، جميعهم يندرجون تحت مظلة الحرس.

نفوذ إقليمي وامتداد اقتصادي

لم يقتصر دور الحرس الثوري الإيراني على الداخل الإيراني، بل امتد إقليميًا عبر “فيلق القدس”، الذي يؤدي دور حلقة الوصل بين طهران والقوى الحليفة لها في المنطقة. هذه القوى منخرطة ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة” المناهض لإسرائيل والولايات المتحدة. يشمل ذلك حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، وفصائل مشاركة في الحشد الشعبي العراقي، إضافة إلى الحوثيين في اليمن.

بالإضافة إلى ذلك، توسّع نفوذ الحرس بشكل لافت خلال العقود الماضية، متجاوزًا الإطار العسكري إلى السياسة والاقتصاد وقطاعات حيوية أخرى. تحول الحرس إلى لاعب محوري في بنية صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية. هذا التوسع الاقتصادي يمثل جانبًا هامًا من قوة الحرس.

يُعد “مقر خاتم الأنبياء” أحد أبرز أذرعه الاقتصادية، إذ ينشط في قطاعات البناء والمقاولات، مع مشاريع تمتد من التعدين والبنى التحتية إلى استخراج النفط. هذا التنوع الاقتصادي يعزز من استقلالية الحرس وقدرته على التأثير.

في مقابل ولاء قادته، يحصل الحرس على ما يشبه “خزينة ذهبية”، إذ تُقدَّر موازنته بما بين 6 و9 مليارات دولار، أي ما يقارب ضعف موازنة الجيش النظامي الإيراني. كما يسيطر على قطاعات استراتيجية تمتد من الطاقة إلى الاتصالات. هذا التحكم في الموارد يمنح الحرس الثوري قوة اقتصادية هائلة.

“القمع” والاتهامات الدولية

عند اندلاع موجات احتجاجية، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه الذراع الأمنية الأكثر صلابة في مواجهة الشارع. تقرير بحثي صادر عن مركز “متحدون ضد إيران نووية”، ومقره في الولايات المتحدة، يشير إلى أن “مقر ثارالله”، المسؤول عن طهران ومحيطها، يشكل “حجر الزاوية في المنظومة الأمنية والقمعية للحرس”.

وبحسب التقرير، تولى هذا المقر تنسيق العمل بين أجهزة الاستخبارات والشرطة وقوات “الباسيج” ووحدات الحرس الثوري، بما يضمن أن “عمليات القمع ليست مرتجلة، بل محسوبة”. يصف التقرير هذه القيادة بأنها “العقل العملاني للنظام خلال فترات الاضطرابات”.

إلى جانب ذلك، تتهم دول غربية الحرس الثوري بالضلوع في نشاطات أمنية على أراضيها. كما تقول منظمات حقوقية إنه قاد حملة القمع العنيف ضد الاحتجاجات الأخيرة داخل إيران، وهو ما شكّل أحد أبرز مبررات القرار الأوروبي. هذه الاتهامات تزيد من عزلة الحرس على الساحة الدولية.

لا يقتصر تصنيف الحرس الثوري كمنظمة “إرهابية” على الاتحاد الأوروبي، إذ سبقت ذلك خطوات مماثلة من دول عدة، أبرزها الولايات المتحدة عام 2019، وكندا عام 2024، وأستراليا عام 2025. هذه التصنيفات تعكس القلق المتزايد بشأن أنشطة الحرس وتأثيره الإقليمي.

مستقبل الحرس الثوري الإيراني

إن قرار الاتحاد الأوروبي بإدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب يمثل تصعيدًا كبيرًا في التوتر بين طهران والغرب. من المرجح أن يؤدي هذا القرار إلى ردود فعل من إيران، وقد يشعل المزيد من الصراعات في المنطقة. يبقى السؤال: كيف سيستجيب الحرس الثوري لهذا التصنيف؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تغيير في سلوكه أو استراتيجيته؟ مستقبل الحرس الثوري الإيراني، ودوره في المنطقة، سيشكلان جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط في السنوات القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version