في تطور مفاجئ يعكس تحولات جيوسياسية عميقة، تستعد رئيسة فنزويلا بالوكالة، ديلسي رودريغيز، لزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة. هذه الزيارة، التي لم تؤكدها كراكاس بشكل نهائي حتى الآن، تحمل في طياتها دلالات كبيرة، خاصةً وأنها قد تكون الأولى لرئيس فنزويلي في منصبه منذ أكثر من ربع قرن، باستثناء مشاركات في اجتماعات الأمم المتحدة. وتأتي في أعقاب اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات خطيرة، مما يضع العلاقات الفنزويلية الأمريكية في منعطف حاسم.

زيارة تاريخية في ظل تغييرات جذرية

تمثل زيارة رودريغيز إلى واشنطن علامة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين، والتي شهدت عقودًا من التوتر والعداء، خاصةً في ظل حكم هوغو تشافيز ومادورو. فبعد سنوات من الاتهامات المتبادلة والتدخلات السياسية، يبدو أن هناك فرصة سانحة لإعادة بناء الثقة والتعاون. العملية الخاصة التي نفذتها القوات الأمريكية وأدت إلى اعتقال مادورو، كانت بمثابة نقطة تحول مفاجئة، فتحت الباب أمام حوار جديد.

رودريغيز بين العقوبات والانفتاح على واشنطن

على الرغم من أن ديلسي رودريغيز كانت من أبرز الشخصيات في حكومة مادورو التي اتسمت بمعارضة الولايات المتحدة، إلا أنها أظهرت منذ توليها الرئاسة بالوكالة نهجًا أكثر واقعية ومرونة. فقد سمحت لواشنطن بالتوسط في بيع النفط الفنزويلي، وهو مورد حيوي للاقتصاد الفنزويلي، بعد انتشار بحري أمريكي بالقرب من السواحل الفنزويلية. كما تعهدت بتسهيل الاستثمارات الأجنبية، وأطلقت سراح عدد من السجناء السياسيين، في خطوات تهدف إلى تخفيف الضغوط الداخلية والخارجية.

حوار بلا خوف وتعديلات في السلطة

أكدت رودريغيز في تصريحات محلية أن حكومتها تسعى إلى “حوار بلا خوف” مع الولايات المتحدة، بهدف معالجة الخلافات القائمة من خلال القنوات الدبلوماسية. إلى جانب ذلك، أعلنت عن عملية لإعادة تنظيم القوات المسلحة، تضمنت تعيين قادة جدد في مناصب إقليمية، وتعيين رئيس جهاز الاستخبارات على رأس الحرس الرئاسي. هذه التغييرات تعكس توازنات داخلية دقيقة، حيث يحتفظ كل من وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز بنفوذ كبير، مما يجعل دعمهم لرودريغيز أمرًا غير مضمون.

النفط الفنزويلي: مفتاح التقارب مع أمريكا

يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب راضية عن استمرار رودريغيز في السلطة، طالما أن ذلك يضمن الوصول إلى النفط الفنزويلي، الذي تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة منه في العالم. هذا الأمر يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة، خاصةً في ظل الأوضاع الجيوسياسية الحالية وارتفاع أسعار الطاقة.

الزيارة المحتملة قد تثير جدلاً داخل الحكومة الفنزويلية، حيث يرى بعض المسؤولين أنها تمثل تنازلًا عن المبادئ و”استسلامًا للإمبريالية الأمريكية”. إلا أن رودريغيز دعت بالفعل إلى فتح قطاع النفط أمام المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وحثت الدبلوماسيين على طمأنة المستثمرين، مؤكدة أن “فنزويلا قادرة على بيع منتجاتها بفضل علاقات التجارة الحرة مع العالم”.

رد فعل المعارضة: تصعيد اللهجة

في المقابل، صعّدت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو من لهجتها ضد رودريغيز، واصفة إياها بـ”الشيوعية” واتهمتها بالتصرف ضد إرادة الشعب والحفاظ على تحالفاتها مع روسيا وإيران. جاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي في واشنطن، عقب لقائها بالرئيس ترامب، حيث أكدت أن فنزويلا “دخلت مرحلة انتقال سياسي منظم” بعد اعتقال مادورو.

انتقادات حادة للحكومة المؤقتة

تعتبر ماتشادو أن الدوائر الموالية لرودريغيز مسؤولة عن تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية في فنزويلا، وأن البلاد أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساتها الديمقراطية. وتشدد على أن استمرار رودريغيز في السلطة التنفيذية المؤقتة يشكل عائقًا أمام استعادة مصداقية فنزويلا الدولية وتطبيع علاقاتها الخارجية. كما حذرت من أن التحالفات الاستراتيجية الحالية للحكومة المؤقتة تعرض السيادة الوطنية للخطر وتبعد البلاد عن القيم الديمقراطية. وتعتبر المعارضة أن هذه التحولات السياسية يجب أن تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة.

مستقبل العلاقات الفنزويلية الأمريكية

تظل العلاقات الفنزويلية الأمريكية في حالة من عدم اليقين. نجاح زيارة رودريغيز إلى واشنطن، وتأثيرها على مستقبل فنزويلا، يعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات التاريخية والتركيز على المصالح المشتركة. الوصول إلى النفط الفنزويلي يمثل حافزًا قويًا للولايات المتحدة، بينما تحتاج فنزويلا إلى الاستثمارات الأجنبية والتعاون الاقتصادي لتحقيق الاستقرار والتعافي. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا التقارب الجديد سيؤدي إلى تغيير دائم في مسار العلاقات بين البلدين، أم أنه مجرد اتفاق تكتيكي مؤقت.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version