تعقد اليوم في مدينة جنيف الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد إقليمي مقلق يهدد باندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق. هذه المحادثات، التي تتم بوساطة عُمانية، تعيد الأضواء إلى الدور التاريخي لسويسرا كمركز حيوي للدبلوماسية وحلقة وصل بين الأطراف المتنازعة. فكيف تحولت هذه الدولة الأوروبية الصغيرة إلى وجهة مفضلة للقاءات بين الخصوم، لتصبح على مدار عقود الجسر الذي يلتقي عليه الإيراني والأمريكي في أصعب الظروف؟ هذا ما سنستعرضه في هذا المقال.

سويسرا: الدبلوماسية التاريخية وحيادها المشهود

لطالما اشتهرت سويسرا بإرثها العريق في الحياد والدبلوماسية الناعمة. فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت نافذة دبلوماسية تمثل مصالح أكثر من 200 دولة. هذا الدور لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسة خارجية واعية تعتمد على بناء الثقة وتقديم الخدمات الإنسانية والدبلوماسية للجميع. هذا الحياد، بالإضافة إلى سمعتها بالسرية والنزاهة، جعلها خيارًا مثاليًا لاستضافة مفاوضات حساسة بين دول لا تربطها علاقات دبلوماسية مباشرة.

القطيعة الدبلوماسية وأزمة الرهائن: بداية الدور السويسري

بدأت العلاقة الخاصة بين سويسرا وإيران في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 واقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 66 رهينة. ردت الولايات المتحدة بقطع العلاقات الدبلوماسية وفرض عقوبات اقتصادية صارمة. في هذه اللحظة الحرجة، تولت سويسرا مهمة حماية المصالح الأمريكية في إيران، بناءً على طلب واشنطن.

خلال فترة احتجاز الرهائن التي استمرت 444 يومًا، لعب السفير السويسري في إيران، إريك لانغ، وفريقه الدبلوماسي دورًا حاسمًا في الوساطة بين الطرفين، بالتعاون مع الجزائر، للتوصل إلى صفقة لإطلاق سراح الرهائن. هذه الأزمة كانت بمثابة نقطة تحول، رسخت دور سويسرا كوسيط موثوق به في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

تمثيل المصالح وتوسيع الشراكة

بعد أزمة الرهائن، استمرت العقوبات الأمريكية والدولية على إيران. حافظت سويسرا على دورها كـ”ساعي بريد” بين واشنطن وطهران، لكن دورها تجاوز مجرد نقل الرسائل. تطور ليشمل تمثيل المصالح المتبادلة في عواصم شهدت قطيعة دبلوماسية. ففي عام 1979، منحت إيران سويسرا تفويضًا لحماية مصالحها في القاهرة، بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل.

هذا التكليف المبكر يعكس رغبة طهران في استغلال حياد سويسرا ليس فقط مع واشنطن، بل أيضًا في عواصم أخرى كانت العلاقة معها معقدة. تعامل برن مع طهران ارتكز على محورين: المصالح التجارية والمهام الدبلوماسية الخاصة. هذا التوازن بين الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي هو ما منح سويسرا ثقة إيران وحولها إلى قناة اتصال موثوقة.

المفاوضات النووية الإيرانية: دور محوري لسويسرا

بين عامي 2013 و 2015، لعبت سويسرا دورًا دبلوماسيًا محوريًا في المفاوضات النووية الإيرانية. استضافت مدينة لوزان المفاوضات التمهيدية، واحتضنت الدبلوماسيين الأمريكيين والإيرانيين والأوروبيين، مما أدى إلى التوصل إلى إطار عام للاتفاق الذي تم توقيعه لاحقًا في فيينا. هذا الاتفاق تضمن الحد من تخصيب اليورانيوم الإيراني، ومراقبة المنشآت النووية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية على إيران.

الانسحاب الأمريكي والجهود الدبلوماسية المستمرة

بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، استمرت جنيف في استضافة لقاءات غير رسمية بين الأوروبيين والإيرانيين لتنسيق الردود والحفاظ على قناة اتصال مفتوحة مع طهران، على الرغم من العقوبات الأمريكية الجديدة. أعلنت سويسرا احترامها للاتفاق، ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس والاستمرار في التعاون.

حتى في أعقاب اغتيال قاسم سليماني وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، استضافت سويسرا اجتماعات سرية لوفود أمريكية وإيرانية بهدف تهدئة الأوضاع وتجنب مواجهة عسكرية مباشرة.

جنيف اليوم: استمرار الإرث الدبلوماسي

اختيار جنيف لاستضافة الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية الأمريكية ليس مجرد مصادفة. إنه استمرار لإرث دبلوماسي طويل الأمد، وتتويج لثقة تراكمت عبر عقود من الأزمات. ما يميز سويسرا هو ما يعرف بـ”الطرق السويسرية” في الدبلوماسية: السرية، والحياد، والتركيز على بناء الثقة، والبحث عن حلول عملية. في ظل التهديدات المتزايدة في المنطقة، يمثل دور سويسرا كوسطاء حيويًا أكثر من أي وقت مضى، وربما يكون مفتاحًا لتجنب سيناريو كارثي.

إن نجاح هذه المفاوضات يعتمد على قدرة الأطراف على التوصل إلى حلول مقبولة للجميع، وسويسرا، بتاريخها ودورها المميز، تقدم منصة مثالية لتحقيق هذا الهدف.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version