في خضم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، يرسل الاتحاد الأوروبي رسالة واضحة حول التزامه بنظام عالمي متعدد الأقطاب. فبعد توقيع اتفاقية تجارية طموحة مع الهند هذا الأسبوع، والتي وصفها البعض بـ”أم الصفقات”، أكد رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، على أهمية هذه الخطوة في تعزيز الاستقرار والتنبؤ في عالم يشهد اضطرابات متزايدة. هذه الاتفاقية، التي تهدف إلى تخفيض الرسوم الجمركية على أكثر من 90% من الصادرات الأوروبية، تمثل استجابة مباشرة للتحديات التي فرضها التغير في السياسات التجارية العالمية، وتحديداً تلك التي انتهجتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.
اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند: رسالة في عالم متغير
تأتي هذه الاتفاقية في وقت تبحث فيه العديد من الدول عن بدائل للأسواق التقليدية، خاصةً في ظل السياسات الحمائية التي اتسمت بها فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة. فمنذ تطبيق “يوم التحرير” في أبريل 2025، فرضت واشنطن رسوماً جمركية على مجموعة واسعة من السلع، مما أثر على العلاقات التجارية الدولية وأثار مخاوف بشأن مستقبل النظام التجاري المتعدد الأطراف.
كوستا شدد في حوار مع “يورونيوز” من نيودلهي، على أن هذه الصفقة لا تمثل نهاية النظام التجاري المتعدد الأطراف، بل هي على العكس، “طريقة بالغة الأهمية لترسيخ النظام المتعدد الأطراف”. وأضاف أن الاتفاقية تحمل قيمة اقتصادية كبيرة، لكن الأهم من ذلك هو الرسالة التي تبعث بها أكبر ديمقراطيتين في العالم، وهي رسالة مفادها أن التعاون هو السبيل الأمثل لمواجهة التحديات العالمية بدلاً من التصعيد والمواجهة.
تخفيض الرسوم الجمركية وتأثيرها الاقتصادي
من المتوقع أن تؤدي اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند إلى تخفيض الرسوم الجمركية على أكثر من 90% من الصادرات الأوروبية، مما يوفر حوالي أربعة مليارات يورو سنوياً من الرسوم. هذا التخفيض سيساهم في تعزيز التجارة والاستثمار بين الجانبين، ويفتح آفاقاً جديدة للشركات والمستثمرين الأوروبيين في السوق الهندية الواعدة.
بالإضافة إلى ذلك، ستساعد الاتفاقية في تنويع العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي، وتقليل اعتماده على سوق واحدة، وهو ما يعتبر أمراً حيوياً في ظل التقلبات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم. هذه الخطوة تأتي في سياق أوسع لجهود الاتحاد الأوروبي لتنشيط أجندته التجارية، والبحث عن أسواق جديدة في أمريكا اللاتينية وآسيا.
الاستجابة للسياسات التجارية الأمريكية
الاتفاقية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والهند تأتي أيضاً في ظل الضغوط المتزايدة من السياسات التجارية الأمريكية. فالهند، على سبيل المثال، تخضع حالياً لنظام رسوم بنسبة 50% فرضته الولايات المتحدة رداً على استمرار نيودلهي في شراء النفط الروسي.
كوستا نفى بشكل قاطع أي مخاوف من انتقام الإدارة الأمريكية بسبب هذه الاتفاقية. وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي قد توصل بالفعل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، وهو الآن قيد المصادقة من قبل البرلمان الأوروبي، وأن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تنويع علاقاته التجارية.
التركيز على المصالح المشتركة
أكد كل من كوستا ووزير التجارة الهندي بيوش غويال أن سياسات ترامب لم تكن محوراً للمناقشات الثنائية خلال القمة. غويال صرح بوضوح: “لم تُطرح”. وأضاف كوستا، مؤكداً على هذه النقطة، “ألا تعتقدون أن الهند وأوروبا كبيرتان بما يكفي لنركز على أنفسنا؟ هذه القمة كانت عن الهند والاتحاد الأوروبي، ولا شيء غير ذلك”.
هذا التأكيد على التركيز على المصالح المشتركة يعكس رغبة كل من الاتحاد الأوروبي والهند في بناء شراكة قوية ومستدامة، بعيداً عن الضغوط الخارجية والاعتبارات الجيوسياسية.
أهمية الاستقرار في التجارة العالمية
أشار مسؤول أوروبي إلى أن التعقيدات الجيوسياسية والرسوم الجمركية المتزايدة قد منحت زخماً جديداً للمفاوضات التي أدت إلى توقيع الاتفاقية مع الهند. كوستا بدوره أكد على أن اتفاقيات التجارة تصبح ضرورية بشكل خاص عندما “عدة عوامل اقتصادية عالمية تعكّر التجارة العالمية”، وأنها تلعب دوراً حيوياً في “استقرار العلاقات التجارية”.
في الختام، تمثل اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند خطوة مهمة نحو تعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتوفير الاستقرار والتنبؤ في عالم يشهد اضطرابات متزايدة. هذه الاتفاقية ليست مجرد صفقة تجارية، بل هي رسالة قوية حول أهمية التعاون والتعددية في مواجهة التحديات العالمية. من المتوقع أن يكون لهذه الاتفاقية تأثير إيجابي على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الجانبين، وأن تفتح آفاقاً جديدة للنمو والازدهار. لمزيد من المعلومات حول اتفاقية التجارة و العلاقات الأوروبية الهندية، يمكنكم زيارة المواقع الرسمية للمفوضية الأوروبية ووزارة التجارة الهندية. كما يمكنكم متابعة آخر التطورات في مجال السياسة التجارية العالمية من خلال المواقع الإخبارية المتخصصة.


