في تطور أمني مقلق، أُصيب رئيس جهاز الشرطة القضائية في طرابلس، اللواء فرج المبروك، برصاص مسلحين مجهولين يوم الخميس. هذه الحادثة، التي أثارت إدانات واسعة، تلقي الضوء على حالة الأمن في ليبيا الهشة والتحديات التي تواجه المؤسسات الحكومية في ظل الانقسامات السياسية المستمرة. وتأتي هذه الجريمة في سياق جهود مستمرة لإعادة هيكلة الجهاز وتعزيز سلطة القانون.
تفاصيل حادثة إطلاق النار على اللواء فرج المبروك
وقع حادث إطلاق النار أمام مركز الإصلاح والتأهيل في منطقة الجديدة بتاجوراء، الواقعة في الضواحي الشرقية للعاصمة طرابلس. وأفادت مصادر رسمية ليبية بأن اللواء المبروك تلقى إصابات بالرصاص، وتم نقله على الفور إلى مستشفى في طرابلس لتلقي العلاج.
أصدر جهاز الشرطة القضائية بياناً رسمياً يدين فيه بشدة هذا العمل الإجرامي، مؤكداً أنه يمثل “انتهاكاً صارخاً للقانون والأخلاق، واعتداءً مباشراً على سلطة الدولة ومؤسساتها، ويستهدف مسؤولين أثناء تأديتهم واجباتهم”. كما أكد الجهاز أن حالة اللواء المبروك مستقرة وأنه يتلقى الرعاية الطبية اللازمة.
ردود الفعل الرسمية على الحادث
لم تقتصر الإدانات على جهاز الشرطة القضائية فحسب، بل امتدت لتشمل وزارة العدل الليبية التي نددت بـ”الاعتداء الجبان”، واصفة الإصابة بأنها “طفيفة”. هذا التنديد يعكس أهمية الدور الذي يلعبه جهاز الشرطة القضائية في حفظ الأمن وتنفيذ الأحكام القضائية داخل البلاد.
وتشير ردود الفعل الرسمية إلى تصميم الحكومة على محاسبة المسؤولين عن هذا الهجوم، وتعزيز الإجراءات الأمنية لحماية المسؤولين والمؤسسات الحكومية.
جهاز الشرطة القضائية في خضم أزمة سياسية
تأتي هذه الحادثة في وقت يشهد فيه جهاز الشرطة القضائية أزمة داخلية تتعلق برئاسته. ففي العام الماضي، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة قراراً بإعفاء صبري محمد هدية وتكليف علي الشتيوي بمهام الرئيس.
لكن هذا القرار واجه معارضة من داخل الجهاز، حيث أعلن منتسبوه رفضهم للإقالة “دون توضيح الأسباب الموضوعية والمهنية”، مطالبين بإبعاد الجهاز عن “التجاذبات السياسية أو المناطقية”. وقد قضت محكمة استئناف طرابلس بإبطال قرار الدبيبة، مما زاد من تعقيد الوضع.
هذه الأزمة الداخلية تعكس الصعوبات التي تواجهها الحكومة في محاولاتها لإصلاح جهاز الشرطة القضائية وإنهاء هيمنة الميليشيات عليه. وقد أكد الدبيبة في وقت سابق على أهمية هذا الإصلاح، واصفاً إياه بأنه “مشروع وطني بامتياز”.
التحديات الأمنية والسياسية في ليبيا
يعتبر الهجوم على اللواء المبروك تجسيداً لحالة الفوضى الأمنية والسياسية المستمرة في ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011. فالبلاد تعاني من انقسام حاد بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، وسلطة موازية في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.
هذا الانقسام السياسي يؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية، وانتشار الجريمة، وتصاعد العنف. كما أن وجود الميليشيات المسلحة يمثل تحدياً كبيراً أمام جهود بناء دولة قوية ومستقرة.
الأمن في ليبيا يتطلب جهوداً متضافرة من جميع الأطراف الليبية، بالإضافة إلى دعم دولي فعال. يجب العمل على تحقيق المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات الحكومية، وتسليح الجيش والشرطة، وتفعيل دور القضاء.
مستقبل جهود تحقيق الاستقرار في ليبيا
إن حادثة إطلاق النار على رئيس جهاز الشرطة القضائية هي بمثابة جرس إنذار، يؤكد على ضرورة الإسراع في معالجة الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا. فالاستقرار والأمن هما الأساس الذي تقوم عليه التنمية والازدهار.
من الضروري أن تواصل الحكومة الليبية جهودها لإصلاح جهاز الشرطة القضائية، وتوفير الدعم اللازم لأعضائه، وحمايتهم من أي تهديدات. كما يجب عليها العمل على تحقيق التوازن بين السلطات، وإبعاد الجهاز عن أي تدخلات سياسية.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يلعب دوراً أكثر فاعلية في دعم جهود تحقيق الاستقرار في ليبيا، من خلال تقديم المساعدة الفنية والمالية، وتشجيع الحوار بين الأطراف الليبية. إن الوضع الأمني في ليبيا يؤثر بشكل مباشر على الأمن الإقليمي والدولي، لذلك فإن من مصلحة الجميع العمل على تحقيق الاستقرار في هذا البلد. كما أن تعزيز الشرطة الليبية وتحديثها يعتبر خطوة أساسية نحو تحقيق هذا الهدف.
ختاماً، يبقى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا مهمة معقدة وطويلة الأمد، تتطلب تضافر الجهود والصبر والمثابرة. ولكن مع الإرادة السياسية الصادقة، والدعم الدولي الفعال، يمكن لليبيا أن تتجاوز هذه التحديات، وأن تبني مستقبلاً أفضل لشعبها.


