في اليوم التالي لأي منخفض جوي وبعد ليال تكسر هدوءها أصوات هطول المطر والرعد، يستبق فلسطينيون، شمالي الضفة الغربية، طلوع الشمس إلى الطبيعة الخضراء باحثين عن الفقع أو “الفطر البري” دون أن يمنعهم ابتلال الأرض. هذا النشاط الموسمي، الذي يربط الفلسطينيين بأرضهم وتراثهم، يكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة والقيود المفروضة.
الفقع: طقس شتوي وأصل في الموروث الفلسطيني
هذه الممارسة الموسمية، التي يصفها الأهالي بأنها “أمتع طقوس الشتاء”، لم تعد مجرد هواية، بل هي جزءٌ أصيل من نمط حياةٍ متوارث عبر الأجيال، حيث اعتمد الأجداد على ما تجود به الأرض في مواسمها المختلفة كمصدر رئيسي للغذاء. يمثل الفقع أكثر من مجرد غذاء؛ إنه رمز للتراث والقدرة على الصمود.
يروي فراس (30 عاما)، من بلدة “المطلة” شرق مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، قصته مع هذا النشاط الذي اعتاده منذ طفولته، مؤكدا أنه يمنحه متعة ويزيد عمق ارتباطه بالأرض. يخرج فراس ليجمع ما تجود به الجبال من حبات الفقع ليقدمها لجده كهديةٍ ثمينة، لتتحول في مطبخ العائلة إلى وجبة شهية غنية بالبروتين، تقليها عمته بزيت الزيتون الصافي، إما وحدها أو ممزوجةً بالبيض، لتشكل طبقا شتويا لا يقاوم.
أحجام استثنائية ومناطق انتشار الفقع في فلسطين
رغم أن نصيب الأسد من محصول الفقع هذا الموسم تركز في مناطق سلفيت وقراها، فإن مختلف المناطق الفلسطينية شهدت إنتاجا وفيرا وبأحجام لافتة، إذ تجاوز وزن الحبة الواحدة في بعض المواقع كيلوغرامين. هذا الازدهار يعكس وفرة الأمطار وتأثيرها الإيجابي على البيئة.
وفي بلدة “فقوعة” شمال جنين، التي يرتبط اسمها لغويا بـ”الفقع” وفق إحدى الروايات المتداولة، في دلالة على وفرة هذا الفطر في أراضيها، رافقنا الباحث البيئي مفيد جلغوم في جولة ميدانية بين جبالها.
الفقع: بين العلم والبيئة
على الصعيد العلمي، يوضح جلغوم أن الفطر يشكل عائلة بيولوجية مستقلة تماما، فلا هو نبات ولا حيوان، مشيرا إلى وجود آلاف الأنواع التي تتدرج من “الخميرة” البسيطة وصولا إلى الأنواع الصالحة للاستهلاك البشري.
أما بيئيا فيحتاج الفطر إلى بيئة حاضنة أو ما يشبه “الوعاء” لينمو فيها، كالقش أو جذور الأشجار، وتعد الرطوبة العالية الناتجة عن الأمطار الغزيرة والمنخفضات الجوية المتتابعة العامل الأهم لنموه، وهو ما يفسر وفرة الموسم الحالي وتميزه. تعتبر أشجار البلوط بيئة مثالية لنمو أنواع معينة من الفقع، مما يجعل المناطق الغنية بهذه الأشجار مقصداً رئيسياً للباحثين.
الفقع: أكثر من مجرد غذاء – هوية وطنية
يشير جلغوم إلى أن كلمة “فقع” في اللغة توحي بالشيء الذي “ينبثق” أو يظهر فجأة، وهو وصف دقيق لسرعة نموه التي قد تكتمل في يوم واحد. ويربط بين هذا الأصل اللغوي وتسمية قرية “فقوعة”، إذ تُشير الروايات إلى أن الاسم مشتق إما من وفرة “الفقع” في جبالها، أو من “فقاقيع الماء” المنبعثة من ينابيع المنطقة، وكلاهما يشترك في الجذر اللغوي ذاته.
ويوضح جلغوم أن للفقع مكانة خاصة في الموروث الشعبي الفلسطيني، لا سيما في جنين، حيث يلقب بـ”لحمة الفقير”، لكونه غذاء غنيا بالبروتينات وهبة مجانية تجود بها الطبيعة. هذه التسمية تعكس أهمية الفقع كبديل اقتصادي ومصدر للغذاء في الماضي والحاضر.
تتعدد تسمياته بتعدد المناطق؛ ففي جنين يعرف بـ”الفقع”، بينما يشتهر باسم “فطاريش” في الجليل، ويطلق عليه “الترفاس” أو “الكمأة” في مناطق أخرى خارج فلسطين، إلى جانب مسميات مثل “المشروم” أو “الكرفاس”.
ويرى الباحث الفلسطيني أن جمع الفقع يتجاوز كونه هواية موسمية، ليغدو “نمط حياة” يمنح الإنسان طاقة إيجابية تساعده على مواجهة صعوبات الحياة، لا سيما في فلسطين.
جدوى اقتصادية وتحديات تواجه جمع الفقع
الطبيعة الجغرافية الجبلية غرب سلفيت، وتحديدا بين قرى “فرخة” و”وادي قانا” و”قراوة بني زيد” وبروقين التي تكثر فيها أشجار البلوط، تجعلها مقصدا رئيسا للأهالي في مواسم المطر. هذا الموسم الذي يمتد لأسبوعين، كان مفاجئا واستثنائيا من حيث حجم الإنتاج هذا العام، إذ سجلت المنطقة أحجاما غير مسبوقة وصلت فيها وزن الحبة الواحدة إلى كيلوغرامين.
بات الفقع يشكّل مصدر دخل حيويا للعديد من الشبان في قرى سلفيت، حيث يقومون بجمعه وبيعه بناءً على طلبات مسبقة من المواطنين، وتتراوح أسعار الفطر ما بين 20 إلى 25 شواكل للكيلو، وقد تصل إلى 30 شواكل في بدايات الموسم.
وللفطر البري أنواع متعددة، إلا أن أشهرها وأكثرها تداولاً ومعرفةً لدى الناس هما فطر “السندي” وفطر “زُقم العجل”. يؤكد المزارعون على ضرورة توخي الحذر عند جمع الفطر، والتمييز بين الأنواع الصالحة للأكل والسامة.
رغم كل احتفاء الفلسطينيين بالموسم وخيراته، فإن ممارساتهم المتوارثة لجمع الفقع في قرى سلفيت تحديداً وجميع مناطق الضفة الغربية باتت مهددةً ومحاصرةً بفعل التغول الاستيطاني، حيث تلتهم المستوطنات والقيود العسكرية المراعي والجبال، لتتحول رحلات البحث عن الفقع وغيرها من المحاصيل البرية إلى مواجهةٍ يوميةٍ مع الاحتلال تحاول بتر العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وخيرات أرضه. الحفاظ على هذا التراث يتطلب جهوداً مضاعفة لمواجهة هذه التحديات وضمان استمراره للأجيال القادمة.















