زكي ناصيف: رائد التراث الموسيقي اللبناني و”أبو الفلكلور”
يُعدّ الملحن اللبناني زكي ناصيف، الذي رحل عن عالمنا في عام 2004، أحد أبرز الشخصيات التي ساهمت في حفظ التراث الموسيقي اللبناني وتطويره. على مدار 51 عامًا، أنتج أكثر من 1100 مقطوعة موسيقية، رسّخ من خلالها الهوية الموسيقية اللبنانية، وحوّل الموروث الشعبي من مجرد ذاكرة شفهية مهددة بالنسيان إلى فنّ راسخ. هذه المقالة تستعرض مسيرة هذا الفنان العظيم وإسهاماته الجوهرية في إثراء المشهد الموسيقي العربي.
نشأة زكي ناصيف في ظل التحديات
ولد زكي شاكر ناصيف في الثالث من يوليو عام 1916 في بلدة مشغرة في البقاع، لبنان، في أسرة تواجه صعوبات الحياة في ظل المجاعة وويلات الحرب العالمية الأولى. وسط هذه الظروف القاسية، بدأت بذرة موهبته الموسيقية في النمو. فقد تأثر بألحان “الشروقيات” الحزينة التي كانت والدته تغنيها، وبأغاني الشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد درويش التي أحضرها والده من الشام. هذه التأثيرات المبكرة شكلت أساس ذوقه الموسيقي ووجهته نحو عالم الإبداع.
التعليم الموسيقي وتشكيل الهوية الفنية
لم يكتفِ ناصيف بالاستماع والتأثر، بل سعى إلى تطوير مهاراته الموسيقية بشكل منهجي. تعلّم العزف على العود والمجوز بنفسه قبل أن يلتحق بالمعهد الموسيقي في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1936. هناك، درس على أيدي مدرسين روس وأتقن البيانو والتشيلو، مما منحه فهمًا عميقًا للتوزيع الموسيقي، وهو أمر لم يكن شائعًا بين الملحنين الشعبيين في تلك الفترة. هذا المزيج بين الدراسة الأكاديمية والتأثر بالموسيقى الشعبية كان أساسًا لتميزه.
نقطة التحول: “عصبة الخمسة” وبعلبك
تعتبر سنة 1953 نقطة تحول في مسيرة ناصيف، حيث التقى بالمدير الفلسطيني صبري الشريف في إذاعة الشرق الأدنى. هذا اللقاء أتاح له فرصة لطرح سؤال جوهري: لماذا لا تكون الموسيقى الموروثة هي المادة الأساسية للتأليف الموسيقي في لبنان؟
الإجابة تجسدت في تأسيس “عصبة الخمسة” عام 1955، والتي ضمت إلى جانبه عاصي ومنصور رحباني وتوفيق الباشا وتوفيق سكر. هذه المجموعة أعلنت انطلاق مرحلة جديدة للأغنية اللبنانية، ومهدت الطريق لظهور أعمال فنية تعتمد على الموسيقى اللبنانية الأصيلة.
مهرجان بعلبك عام 1957 كان بمثابة منصة لإبراز موهبة ناصيف، حيث قدم “عرس القرية” الذي نقل مشهدية مشغرة إلى المسرح. ومن هنا انطلقت دبكة “يا لا لا عيني” الشهيرة، المستوحاة من إيقاع حركة عصر العنب لصنع الدبس.
تطوير الدبكة والعمق الفكري في الإبداع
لم يقتصر إسهام ناصيف على تلحين الأغاني والدبكات، بل تعداه إلى تطوير الدبكة نفسها. أوضح أن كلمة “دلعونا” ليست مجرد تعبير عاطفي، بل هي مشتقة من الجذر السرياني “ديل عونا” أي “هيا إلى العون”، وطورها إلى دبكة مسدسة من ست خطوات.
بالإضافة إلى ذلك، استقى ناصيف من الألحان السريانية والبيزنطية وتجويد القرآن ومخارج الحروف، محافظًا على الهوية الموسيقية المتأصلة بينما يجددها من الداخل. كان يحرص على توظيف الموسيقى الغربية لخدمة الروح الشرقية، ويتجنب استخدام البيانو كلما وجد في اللحن “ربع صوت”، حفاظًا على نقاء المقام. هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والحداثة هو ما أكسبه لقب “أبو الفلكلور”.
التعاون مع كبار الفنانين وإرث لا يُنسى
تعاون زكي ناصيف مع كبار الأصوات اللبنانية، مثل صباح ووديع الصافي وسميرة توفيق. كما أنجز لفيروز أسطوانة من تسع أغانٍ تحمل اسمه، وكانت أغنية “راجع يتعمر لبنان” التي كتبها ولحنها تحت القصف في أيام الحرب الأقرب إلى قلبه. هذه الأغنية كانت تجسيدًا لإيمانه وعناده برغم الخراب، ورسالة أمل في مستقبل أفضل. أغاني ناصيف لا تزال تتردد حتى اليوم، وتحمل في طياتها عبق الماضي وأصالة الهوية اللبنانية.
رحل زكي ناصيف في الحادي عشر من مارس عام 2004 عن عمر يناهز 88 عامًا، تاركًا وراءه أرشيفًا ضخمًا تتولى الجامعة الأمريكية في بيروت حفظه ونشره. كما تحوّل منزله في مشغرة إلى متحف ومركز ثقافي، يفتح أبوابه للراغبين في استعادة ذكريات هذا الفنان العظيم، والعودة إلى جذور التراث اللبناني. كما كتب هو يوما: “أعود إليكِ يا قريتي.. لألثم في ظلالكِ الهانئة.. تراب الجدود”. يبقى زكي ناصيف رمزًا للإبداع والوطنية، ومصدر إلهام للأجيال القادمة من الملحنين والموسيقيين.















