في ظل تصاعد أعداد الجرحى والمرضى في قطاع غزة، تبرز أزمة بنوك الدم في غزة كقضية حيوية تؤثر مباشرة على إمكانية إنقاذ الأرواح. تعيش منظومة التبرع والتخزين ضغوطًا كبيرة بسبب فقدان تجهيزات ومبرّدات وانقطاع الكهرباء، ما جعل التبرع بالدم ومخزون الدم مطلبين يوميين داخل المستشفيات، خاصة في مستشفى الشفاء.
تنطلق رحلة كل وحدة دم من ذراع متبرع إلى سلسلة من الفحوص والفصل والحفظ قبل أن تصل إلى المريض، لكن تراجع القدرات اللوجستية وفقدان عدد من بنوك الدم بعد الحرب ضيق الهوة بين العرض والطلب، بحسب بيانات وإفادات مسؤولي الصحة المحلية.
بنوك الدم في غزة: حجم الانهيار والاحتياج
تشير معطيات وزارة الصحة إلى انخفاض عدد بنوك الدم العاملة من 14 إلى 5 بنوك بعد اندلاع الأعمال القتالية، وهو تراجع انعكس مباشرة على توفر وحدات الدم ومشتقاتها. وبحسب الإحصاءات الرسمية، بلغ إجمالي وحدات الدم المتبرّع بها خلال الفترة المذكورة نحو 101,664 وحدة مقابل صرف يبلغ 217,324 وحدة، ما يبيّن فجوة كبيرة بين الكميات المتاحة والاحتياج الفعلي داخل المستشفيات.
في المقابل، يبقى الضغط الأكبر على فصائل محددة من الدم، وعلى رأسها فصيلة O- التي تُعدّ مطلوبَة في حالات الطوارئ. ومن ثم تُشكل صيانة بنوك الدم وإعادة تشغيل الفريزرات والمختبرات أولوية ملحة لتقليص هذه الفجوة.
رحلة وحدة الدم من المتبرع إلى المريض
تبدأ الرحلة بفحص المتبرع وصحة الدم ثم سحب الكيس ونقله إلى مختبر فصل المكونات. في مستشفى الشفاء، يمر الكيس بعملية فصل عبر جهاز الطرد المركزي لتحويله إلى دم مركز وبلازما وصفائح، وهي عملية تعتمد بشكل كامل على ما تبقى من معدات ووحدات تبريد.
آلية الفصل والفحوص
بعد الفصل تجرى فحوصات في قسم الفيروسات للتأكد من سلامة الوحدات قبل حفظ البلازما في الفريزر عند درجات حرارة منخفضة للغاية. وتشرح مسؤولة الفصل أن وجود جهاز طرد مركزي واحد فقط في القطاع يكشف صعوبة توفير أكثر من مكون واحد لكل كيس، ما يعني ضغطًا متزايدًا على الكادر وخطرًا على سرعة تلبية الاحتياجات.
التبرع بالدم يبقى نقطة انطلاق أساسية، لكن بدون فحوص دقيقة وحفظ مناسب تتعرض الوحدات لخطر التلف وفقدان الفعالية للعلاج. لذلك يتعيّن على المانحين والمنشآت الصحية العمل معًا لضمان سلامة المستفيدين.
أسباب التراجع وتأثيرها على المرضى
تعود أسباب تراجع عمل بنوك الدم إلى تدمير معدات المختبرات، توقف الفريزرات جراء انقطاع الكهرباء، وتقلص عدد المراكز النشطة. ونتيجة لذلك اضطرت الطواقم للاعتماد على فحوص يدوية واستثنائية أحيانًا، أو طلب متبرعين محددين من ذوي المرضى في حالات الاستنزاف.
تأثير هذا التراجع يظهر بوضوح على أصحاب الأمراض المزمنة والمرضى الذين يحتاجون نقل دم متكررًا، مثل مرضى الثلاسيميا، إذ شهدت المستشفيات حالات صعوبة في تأمين وحدات الدم في اللحظات الحرجة. وفي هذا السياق يقول مسؤولون إن الحلول المؤقتة لا تغني عن حاجة عاجلة لإعادة تأهيل مخزون الدم ومعدات التخزين.
جهود مجتمعية واستجابة ميدانية
على صعيد الاستجابة، نُظمت عشرات الحملات المجتمعية داخل القطاع وخارجه لمحاولة سد النقص. أفاد مشرفو الحملات بأن بين 25 و30 حملة تُنظم شهريًا، وأن شراكات مع منظمات مثل مؤسسة العون الطبي للفلسطينيين وجمعية بنك الدم أسهمت في تنفيذ مئات حملات تبرع خلال الفترة الأخيرة.
بالإضافة إلى ذلك، بلغ عدد الحملات الميدانية المشتركة عشرات الحملات، وتلقّت بنوك الدم دعمًا من الضفة الغربية والأردن بآلاف الوحدات لتعزيز المخزون مؤقتًا. ومع ذلك تبقى هذه الجهود تكميلية أمام حاجات شهرية ثابتة تفوق ما يُقدم.
خاتمة وتوقعات وماذا يجب مراقبته لاحقًا
تبقى بنوك الدم في غزة محطّ اهتمام إنساني وعملي في آن، إذ إن استعادة قدرة التخزين والفحص والتوزيع هي مفتاح لاستقرار الوضع الصحي للجرحى والمرضى. من المتوقع أن تكون الخطوات القادمة إعادة تأهيل الفريزرات والمختبرات وإدخال أجهزة بديلة أو وحدات تبريد قائمة على مولدات طاقة، إلى جانب تكثيف حملات التبرع بالدم المنظمة بحسب الأولويات.
ينبغي مراقبة توافر الفصائل النادرة، تقدم عمليات صيانة المعدات، ومستويات مخزون الدم الشهرية، إذ ستحدد هذه المؤشرات قدرة المستشفيات على الصمود أمام موجات إصابات جديدة. وبحسب المعلومات المتاحة، سيواصل المجتمع الطبي والمنظمات دعم جهود التبرع بالدم والعمل على تعزيز مخزون الدم في غزة.













