في رحيل يلامس القلوب، ودعت لبنان والعالم العربي ابنها الشاعر، هلي الرحباني، في مطلع شهر يناير/كانون الثاني، تاركًا وراءه فراغًا عميقًا في حياة والدته، الفنانة الكبيرة فيروز. هذا الحدث الأليم أعاد إلى الواجهة قصة حب وأمومة استثنائية، حيث كرست “جارة القمر” حياتها لرعاية ابنها، متحدية بذلك كل الصعاب والتحديات. تداول خبر الوفاة بسرعة، وأثار موجة من الحزن والتأثر بين محبي فيروز وجمهورها العربي، مسلطًا الضوء على جانب إنساني نادر في حياة فنانة بقامتها. هذا المقال يستعرض تفاصيل هذه القصة المؤثرة، ويسلط الضوء على فيروز وهلي الرحباني، وتضحياتها اللامحدودة من أجل ابنها.
سنوات الصمود: قصة حياة هلي الرحباني
لم تكن حياة هلي الرحباني سهلة، ففي منتصف خمسينيات القرن الماضي، وبينما لم يتجاوز عامه الثالث، أُصيب بمرض السحايا. تشخيص الأطباء كان قاسيًا، إذ توقعوا ألا يعيش الطفل لأكثر من ثماني سنوات. لكن هلي، وبإصرار والدته، خالف كل التوقعات، وعاش أكثر من ستة عقود، رحلة مليئة بالصعوبات والتحديات الصحية.
فيروز، لم تستسلم أبدًا لهذه الصعوبات، بل حولتها إلى دافع أكبر لتقديم كل ما لديها من حب ورعاية لابنها. رفضت تمامًا فكرة إيداعه في أي مصحة متخصصة، وأصرت على أن تتولى رعايته بنفسها في المنزل. هذا القرار لم يكن سهلًا، ولكنه كان نابعًا من إيمانها الراسخ بأهمية وجود الأم بجانب ابنها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي واجهها هلي.
التضحية والالتزام: فيروز نموذج الأمومة الاستثنائية
على الرغم من نجوميتها الواسعة والتزاماتها الفنية المتعددة، لم تتوانَ فيروز لحظة واحدة عن تقديم الدعم والاهتمام لابنها. كان هلي دائمًا في صدارة أولوياتها، حتى في أكثر مراحل حياتها ازدحامًا وتألقًا.
كانت تهتم بأدق التفاصيل المتعلقة بحياته اليومية، وترافقه في مواعيده الطبية، وتشرف على نظامه الغذائي لضمان حصوله على التغذية المناسبة لصحته. لم يقتصر اهتمامها على الجانب الصحي فحسب، بل امتد ليشمل جميع جوانب حياته الشخصية، من مساعدته في الاستحمام وتغيير الملابس إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تنعم بالحب والاحتواء. هذا الالتزام المستمر كان بمثابة شهادة حية على قوة الأمومة وتضحياتها.
فيروز والفن: عندما يلتقي الحب والإبداع
قصة فيروز وهلي الرحباني لم تقتصر على الرعاية الشخصية، بل امتدت لتشمل عالم الإبداع والفن. كان هلي مصدر إلهام كبيرًا لوالدته، وقد ألهمها في العديد من أعمالها الفنية.
تشير الروايات الشائعة إلى أن فيروز كانت تدندن لهلي كلمات خاصة وعفوية، قبل أن يتولى شقيقه الموسيقي الراحل زياد الرحباني صياغتها فنيًا، لتتحول إلى أغنية “سلم لي عليه” الشهيرة. هذه الأغنية، التي صدرت ضمن ألبوم “مش كاين هيك تكون” عام 1999، تعبر عن عمق العلاقة بين الأم وابنها، وتجسد الحب والإخلاص الذي كانت تكنه فيروز لهلي.
فقدان متتابع وتأثير عميق على “جارة القمر”
رحيل هلي لم يكن الخسارة الأولى التي تتلقاها فيروز. فقدت ابنتها ليال الرحباني في عام 1988، ثم ودعت نجلها الأكبر زياد الرحباني في يوليو/تموز 2025. هذه الخسائر المتتابعة تركت أثرًا عميقًا في قلب “جارة القمر”، وأعادتها إلى حزن الأم، بقدر ما أعادت الجمهور إلى هشاشة الإنسان خلف الأسطورة.
حضر العديد من الشخصيات العامة مراسم العزاء، بما في ذلك السيدة نعمت عون، زوجة الرئيس اللبناني جوزيف عون، ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بوصعب، الذين قدموا تعازيهم الحارة لفيروز. هذا الحضور يعكس مدى تقدير واحترام لبنان والعالم العربي للفنانة الكبيرة، ولتضحياتها الإنسانية. الحدث سلط الضوء أيضًا على أهمية الدعم العائلي في مواجهة الأزمات والتحديات.
إرث من الحب والتضحية
برحيل هلي الرحباني، تُطوى صفحة إنسانية مؤثرة من حياة فيروز. لكن الإرث الذي تركه وراءه سيبقى حيًا في ذاكرة كل من عرفه أو سمع بقصته. قصة فيروز وهلي الرحباني هي قصة حب وأمومة استثنائية، تتجاوز كل الحدود والتوقعات. هي قصة تذكرنا بأهمية التضحية والإخلاص، وبقوة الأمومة في مواجهة أصعب الظروف. لقد أثبتت فيروز أن الحب الحقيقي لا يعرف المستحيل، وأنه يمكن أن يتغلب على كل التحديات. هذه القصة المؤثرة ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، وستبقى شاهدة على عظمة الأمومة وقوة الإرادة.
ختامًا، نتقدم بتعازينا الحارة إلى الفنانة فيروز في هذا المصاب الجلل، سائلين الله أن يلهمها الصبر والسلوان. وأن يرحم هلي الرحباني برحمته الواسعة. هذا الحدث يذكرنا جميعًا بقيمة الحياة وأهمية تقدير كل لحظة فيها.


