في قلب برشلونة النابض، وتحديدًا في أزقة حي “رافال” التاريخي، تتشابك قصص النضال والأمل، وتتجسد إرادة الحياة لدى مهاجرين أفارقة تحدوا الصعاب. فيلم “توب مانتا.. بائعو الرصيف في برشلونة”، الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية في عام 2024 وعرضته على منصة الجزيرة 360، يلقي الضوء على هذه القصص الملهمة، ويكشف عن عالم خفي من الكدح والإبداع. هذا الفيلم ليس مجرد وثائقي، بل هو شهادة حية على قوة الروح الإنسانية في مواجهة التحديات.
“توب مانتا”.. أكثر من مجرد علامة تجارية: قصة صمود
في الأزقة الضيقة لرافال، يملأ بائعو الأرصفة المشهد، يعرضون ملابس بسيطة وسترات تحمل رسائل قوية. هؤلاء الباعة، أغلبهم من المهاجرين الأفارقة، يبيعون بضاعتهم بأسعار متواضعة، لكن وراء هذه البضائع تكمن قصص عميقة من المعاناة والأمل. يقول أحدهم، بعد عشر سنوات قضاها في هذا العمل: “لم آتِ إلى هنا على متن قارب صغير لأصبح بائع رصيف، كنت أحلم بعمل كريم وقانوني. نحن نبيع ملابس قانونية، لكن الذين يصنعونها ليسوا أحرارًا في التنقل والعمل.” هذه الكلمات تلخص واقعًا مريرًا يعيشه العديد من المهاجرين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في ظروف صعبة من أجل البقاء.
ورشة “توب مانتا”: من النضال الفردي إلى العمل الجماعي
وسط هذا المشهد، تبرز ورشة تصنيع الملابس “توب مانتا” كنموذج فريد من نوعه. تأسست هذه الورشة في عام 2015 على يد لامين سار وزملاء له، بعد وفاة أحد زملائهم بسبب مضايقات الشرطة. “قررنا إنشاء اتحاد لحماية حقوقنا، يتكون من الباعة الجائلين غير المشمولين بالحقوق العمالية والاجتماعية، ولا يستطيعون فتح حساب مصرفي، ولا حتى استئجار شقة”، هكذا يصف لامين سار بداية المشروع. توب مانتا لم تكن مجرد علامة تجارية، بل أصبحت رمزًا للنضال من أجل الكرامة والعدالة.
لامين سار، الذي وصل إلى إسبانيا في عام 2006، يروي تجربته الشخصية: “عملت في حقول الفواكه، ولقيت إساءة واستغلالًا من أرباب العمل. عملت في جمع الخردة من الشوارع، وعملت بائعًا جائلًا أحمل بضائعي على كتفي لأكسب قوت يومي.” لكنه لم يستسلم، بل حول معاناته إلى قوة دافعة للتغيير. “نحن نخوض نوعين من النضال، نقابيا وإبداعيا. كسبنا الاحترام، وغيرنا كثيرا من الأحكام المسبقة تجاهنا، وناقشنا أوضاعنا مع السلطات المحلية، وقمنا بأكثر من 120 تسوية قانونية لزملائنا.”
رسائل سياسية وإنسانية من خلال الأزياء
تشارك ياسين ديوب، وهي إحدى مؤسسي المشروع، في هذه الرؤية. “لا بد من نشاط اقتصادي لتسوية أوضاعنا القانونية وترك البيع في الشوارع. قانون الهجرة يلزمنا بنيل عقد عمل مدة 3 سنوات، وهكذا أنشأنا علامتنا التجارية.” تصاميم “توب مانتا” تحمل رسائل مهمة، مثل شعار “قانون زائف وملابس حقيقية”، الذي يلفت الانتباه إلى أوضاع المهاجرين. الناشط عزيز فيي يصفهم بأنهم “متمردون، يحاولون اختراق النظام الفاسد، الذي لا يحمي حقوق الإنسان، ويسعون لتحقيق هذه القيم بالأزياء.”
ياسين ديوب تضيف: “ليست توب مانتا علامة هدفها البيع والربح فقط، بل هي رسالة دفاع وتوفير للفرص. جئت إلى إسبانيا وعمري 12 عامًا وأكملت دراستي فيها، وكنت أول فتاة سمراء في مدرستي، ولقيت عنصرية كثيرة، وأصبح هدفنا الدفاع عن أنفسنا ضد العنصرية الاجتماعية والمؤسسية.”
نضال المهاجرين الأفارقة: مظاهرات وتوقيعات من أجل الكرامة
لم يقتصر نضال المهاجرين الأفارقة على إنشاء علامة تجارية، بل امتد ليشمل مظاهرات حاشدة في معبر مليلة الحدودي، بعد مقتل أحد المهاجرين. رفع المتظاهرون شعارات تطالب بالمساءلة والعدالة، وتدين سياسات الهجرة القاسية. كما أطلقوا حملة لجمع التواقيع على وثيقة “التشريع الشعبي لغير الموثقين”، بهدف تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير موثق في إسبانيا. “نحن لا نطلب مالًا بل توقيعًا”، هكذا يؤكد القائمون على الحملة.
خطوة نحو الانتصار: مشروع توثيق المهاجرين في البرلمان
حتى الآن، تم جمع 400 ألف توقيع، وهذا إنجاز كبير. لكن الطريق لا يزال طويلاً، حيث يواجه المشروع بعض العوائق، مثل رفض اليمينيين للتوقيع. ومع ذلك، فإن هناك دعمًا متزايدًا من السلطات المحلية، حيث قالت عمدة برشلونة آدا كولاو: “سنترك لكم المجال، والمهم أن نسمع أصواتكم.”
لامين سار يخاطب مجلس بلدية برشلونة: “على الدولة أن توافق على منحنا تصاريح العمل، هذه حقوق الإنسان الأساسية.” ويضيف: “عندما يعبر إنسان أفريقي البحر إلى حدود أوروبا يعد مجرما، فيقيد بالأصفاد ويودع سجن المهاجرين، لا بد أن يتوقف هذا، نحتاج دعمكم للتغيير.”
في فبراير 2023، صادق البرلمان الإسباني على التوقيعات، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة للمهاجرين. الآن، ينتظر الجميع تحديد موعد نقاش مشروع القانون، الذي قد يغير حياة مئات الآلاف من الأشخاص. الهجرة ليست جريمة، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان.
مجتمع “توب مانتا”: تكاتف وتحديات
على الرغم من النجاح الذي حققته “توب مانتا”، إلا أن هناك بعض التحديات الداخلية. بعض الأعضاء يفكرون في ترك المشروع بعد الحصول على أوراقهم الثبوتية، بينما يفضل آخرون البقاء فيه، لأنه يمثل لهم بيتًا ومصدر فخر. ماريا إليناكوا، المسؤولة عن المنح الدراسية، تحث على الانضباط وعدم مواجهة الشرطة، وتؤكد أن “توب مانتا” تطورت من مجرد ورشة صغيرة في رافال إلى مؤسسة قوية توظف العديد من الأشخاص.
في الختام، فيلم “توب مانتا.. بائعو الرصيف في برشلونة” يقدم صورة مؤثرة عن حياة المهاجرين الأفارقة في إسبانيا، ويكشف عن قدرتهم على التغلب على الصعاب وتحقيق أحلامهم. هذه القصة الملهمة تدعونا إلى التفكير في قضايا الهجرة والعدالة الاجتماعية، وتذكرنا بأهمية التضامن مع أولئك الذين يعانون من التهميش والاضطهاد. إن دعم مبادرات مثل “توب مانتا” هو خطوة ضرورية نحو بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافًا للجميع.



