فيلم “صوت هند رجب” ليس مجرد عمل سينمائي، بل هو صرخة مدوية في وجه اللامبالاة، وشهادة حية على مأساة إنسانية تتكشف أمام أعيننا في غزة. صدر الفيلم في 16 يناير 2026، ليؤكد المسار الفني والسياسي الذي اختارته المخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو مسار يرفض الصمت أمام الحقائق المؤلمة. هذا العمل السينمائي المؤثر، الذي حصد جوائز مرموقة، يثير تساؤلات عميقة حول العنف، والمسؤولية، ودورنا كمتفرجين على الأحداث.
فيلم صوت هند رجب: إعادة تصور المأساة الفلسطينية
ينتمي فيلم “صوت هند رجب” إلى نوع الدوكيودراما، وهو مزيج فريد بين الدراما والتوثيق. الفيلم مبني على قصة حقيقية مروعة، وهي الساعات الأخيرة في حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي حاصرتها قوات الاحتلال داخل سيارة عائلتها أثناء القصف في غزة. لم تكن هند مجرد ضحية، بل أصبحت رمزًا للمعاناة الإنسانية التي لا تُحتمل.
عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث لاقى استحسانًا نقديًا وجماهيريًا واسعًا. ثم انطلق في جولة عروض دولية وعربية، وصولًا إلى دور السينما التجارية، ليتاح للجمهور فرصة مشاهدته والتفاعل مع رسالته. يشارك في بطولة الفيلم كل من عامر حليحل، وكلارا خوري، ومعتز ملحيس، وسجا كيلاني، الذين يجسدون شخصيات طاقم الإسعاف والعاملين في غرفة الاتصالات، الذين أصبحوا أسرى للانتظار والعجز.
الجوائز والإنجازات: اعتراف عالمي بقوة الفيلم
لم يقتصر نجاح فيلم “صوت هند رجب” على الاستقبال النقدي الجيد، بل تجسد في العديد من الجوائز والإنجازات المرموقة. فاز الفيلم بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم (Silver Lion – Grand Jury Prize) في مهرجان فينيسيا السينمائي، بالإضافة إلى عدد كبير من الجوائز الموازية.
على الصعيد الدولي، اختير الفيلم ليكون الترشيح الرسمي لتونس لجوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي في الدورة الثامنة والتسعين، ونجح في الوصول إلى القائمة القصيرة (Shortlist). كما تلقى الفيلم ترشيحًا رسميًا لجوائز الغولدن غلوب عن فئة أفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية، وترشيحين في جوائز البافتا. هذه الإنجازات تؤكد على قوة الفيلم وتأثيره، وقدرته على إيصال رسالة إنسانية مؤثرة إلى العالم.
أسلوب الدوكيودراما: بين الواقع والدراما
يعتمد فيلم “صوت هند رجب” على أسلوب الدوكيودراما، وهو نمط سينمائي يمزج بين عناصر الوثائق والدراما. تستخدم المخرجة تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمة الاستغاثة التي أجرتها هند رجب، بينما يتم إعادة تمثيل غرفة الاتصالات وطواقم الإسعاف دراميًا بدقة عالية.
هذا الأسلوب يهدف إلى تكثيف الواقع وكشف أبعاده الإنسانية والأخلاقية. بدلًا من عرض مشاهد عنف مباشرة، يركز الفيلم على لحظة الانتظار نفسها، والضغط النفسي الذي يعانيه طاقم الإسعاف وهم يحاولون الحصول على تصريح لإنقاذ الطفلة. يُحوّل الصوت إلى بطل رئيسي، ويجعل العجز والبيروقراطية عنصرين دراميين أساسيين.
العجز والبيروقراطية: أشكال خفية من العنف
في فيلم “صوت هند رجب”، تختار كوثر بن هنية مسارًا غير تقليدي في تمثيل العنف. فالفيلم لا يصور القتل بشكل مباشر، بل يركز على ما يسببه، وهو العجز التام. غرفة الاتصالات ليست مجرد مكان، بل مسرح للمأساة، حيث نسمع أصواتًا متقطعة، ومحاولات إنقاذ متكررة، وتعليمات لا يمكن تنفيذها.
تُظهر المخرجة كيف أن البيروقراطية والروتين يمكن أن يكونا قاتلين، وكيف أن انتظار التصاريح يمكن أن يحول دون إنقاذ حياة إنسان. هذا الاختيار الأسلوبي يفتح الباب لسؤال مهم: من هو الجاني الحقيقي؟ الفيلم يتعمد عدم عرض صورة مباشرة للفاعل، بل يتركه في الهامش، مما يزيد من حدة السؤال ويجعل المسؤولية أكثر وضوحًا. الفيلم يطرح قضية “عدم الفعل” كشكل من أشكال المشاركة في الجريمة.
فيلم صوت هند رجب: شهادة أم استغلال؟
يثير فيلم “صوت هند رجب” نقاشًا أخلاقيًا حول حق السينما في الاقتراب من الألم والمعاناة. فالفيلم يتعامل مع مأساة ما زالت طازجة في الذاكرة، ولم تتحول بعد إلى “تاريخ”. هل إعادة استحضار صوت طفلة قُتلت حديثًا هو فعل إنصاف أم استغلال سينمائي؟
هذا السؤال يزداد أهمية في ظل وجود أفلام أخرى تتناول نفس الموضوع، مثل فيلم “أغمضي عينيك يا هند” الذي صدر في عام 2025. في النهاية، يترك الفيلم للمتفرج مهمة تقييم ما إذا كانت هذه الأعمال السينمائية هي شهادة ضرورية أم شكلًا من أشكال الاستغلال. صوت هند رجب يظل تذكيرًا مؤلمًا بواقع مأساوي، وداعيًا للتفكير في مسؤوليتنا الإنسانية. الفيلم يمثل إضافة قوية للسينما العربية، ويثبت أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا فعالًا في مواجهة الظلم والمعاناة. السينما الفلسطينية بشكل عام، والفيلم تحديدًا، يطرح قضايا ملحة تستحق الاهتمام والنقاش. كوثر بن هنية أثبتت مجددًا أنها مخرجة موهوبة وقادرة على تقديم أعمال سينمائية مؤثرة ومثيرة للجدل.


