في عالمٍ يزداد تعقيدًا، غالبًا ما يجد الإنسان نفسه مضطرًا للتكيف مع ظروف لا يختارها، سواء في حياته المهنية أو المهام اليومية. لكن حين يتعلق الأمر بالترفيه، يمتلك حرية الاختيار الكامل. ولهذا، يظل شباك التذاكر بمثابة مرآة تعكس اهتمامات الجمهور الحقيقية، وبارومتر دقيق لقياس المزاج الجمعي في أوقات السلام والحرب والفترات الرمادية بينهما. فالجمهور يبحث دائمًا عن القصص التي تت resonat مع مشاعره وتجاربه، سواء أدرك ذلك أم لا. وقد كشفت بيانات شباك التذاكر العالمي في السنوات التي أعقبت جائحة كورونا عن تحول ملحوظ في الأذواق السينمائية.
تحول في الأذواق السينمائية بعد الجائحة
أظهرت السنوات الخمس التالية لجائحة كورونا تغييرًا جذريًا في تفضيلات المشاهدين. ففي السابق، كان الجمهور يتوق إلى أفلام تصور صراعًا ضد قوى خارجية، ويضع آماله في أبطال خارقين قادرين على إنقاذ العالم. أما اليوم، فقد عاد المشاهد والسينمائي ليكتشف أن التهديد الحقيقي يكمن في الداخل، وأن كل فرد يجب أن يخوض معركته الخاصة ضد شياطينه الداخلية. هذا التحول يعكس حالة من التأمل الذاتي والبحث عن المعنى في عالم يبدو أكثر هشاشة من ذي قبل.
من حروب كونية إلى حنين للماضي
قبل الجائحة، كانت الأفلام الأعلى إيرادات تتمحور حول إنقاذ “العالم” من تهديدات فضائية أو نووية. أفلام مثل “حرب النجوم: القوة تستيقظ” (2015) التي حققت إيرادات تجاوزت 2.07 مليار دولار عالميًا، و”كابتن أميركا: الحرب الأهلية” (2016) الذي حصد 1.15 مليار دولار، كانت تجسد هذه السردية. وبلغت هذه الموجة ذروتها مع “المنتقمون: حرب اللانهاية” (2018) و”المنتقمون: نهاية اللعبة” (2019) اللذين حققا إيرادات قياسية تجاوزت 2.79 مليار دولار.
لكن بعد الجائحة، تراجعت هذه السردية لصالح قصص أكثر شخصية وتأملية. ففي حين استمرت الأرقام الضخمة في الإيرادات، تغير نوع الفيلم الذي تصدر شباك التذاكر. “سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن” (2021) حقق 1.92 مليار دولار، مستفيدًا من عنصر الحنين إلى الماضي وعودة الشخصيات المحبوبة. أما “باربي” (2023) فقد سجل أكثر من 1.44 مليار دولار عالميًا، ليصبح أنجح فيلم في العام، على الرغم من غياب أي تهديد كوني تقليدي. ويؤكد “إنسايد آوت 2” (2024) هذا الاتجاه بتحقيقه أكثر من 1.6 مليار دولار، من خلال سردية نفسية تركز على القلق والهوية.
السينما تعكس الواقع: “باربي” و”إنسايد آوت 2″ كمثال
لا يقتصر هذا التغيير على رد فعل الجمهور، بل يعكسه صناع السينما أنفسهم. المخرجة الأمريكية غريتا غروينغ ربطت في مقابلة مع “الغارديان” الروح الفوضوية والقلقة في فيلمها “باربي” بتجربة العزلة الجماعية التي فرضتها الجائحة، مشيرة إلى أن الشعور بالعيش داخل “صناديق منفصلة” قد أعاد تعريف مفهوم البحث عن الذات والمعنى.
هذا التحول يتجلى في التركيز على المشاعر الداخلية و الصراعات الشخصية. فتجربة العزلة جعلت الكثيرين يتساءلون عن هويتهم وقيمهم ومكانهم في العالم. الأفلام التي تتناول هذه القضايا تجد صدى لدى الجمهور، لأنها تعبر عن تجاربهم الخاصة.
النفس كساحة قتال جديدة
اكتشف المشاهد والسينمائي بعد الجائحة أن الخطر الحقيقي ليس خارجيًا، بل داخليًا ومتعدد الأوجه. ففي فيلم “سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن” (2021)، لا تدور الأحداث حول شرير واحد، بل حول تبعات الأخطاء التي لا يمكن التراجع عنها. اللقاء بين ثلاثة إصدارات من البطل يمثل مشاركة خبرات وخسائر.
وفي فيلم “باربي” (2023) لا توجد معركة فاصلة، بل رحلة داخلية لفهم الفراغ الذي تخلفه الأدوار النمطية. أما فيلم “إنسايد آوت 2” (2024) فيذهب إلى أبعد من ذلك، بجعل القلق نفسه محور السرد، وليس مجرد عارض جانبي. هذا التحول الجذري يعكس فهمًا أعمق للطبيعة البشرية، وتركيزًا أكبر على الصحة النفسية والعاطفية.
الهشاشة كلغة للصدق في السينما
فترة الإغلاق والعزلة المنزلية منحت السينمائيين والمشاهدين فرصة لمراجعة الذات وتحديد الأولويات. وقد ترك هذا التحول أثره على الموضوعات التي يتم تناولها في الأفلام، وعلى طريقة إيصال هذه الموضوعات إلى الجمهور. فسينما ما بعد الجائحة لم تعد تسعى إلى تقديم حلول مطلقة، بل إلى انعكاس عالم يعيش حالة من عدم اليقين.
وبينما يظل احتمال عودة أفلام الملحمة قائمًا، فإن من المثير للاهتمام أن ندرك أن الهشاشة قد تكون اللغة السردية الأكثر صدقًا لجيل قضى الوقت حبيسًا ومعزولًا، يعاني من القلق والشك. و بالتالي، فإن شباك التذاكر لم يعد مجرد مقياس للنجاح التجاري، بل نافذة تطل على أعمق مخاوف وأحلام الجمهور في عالم متغير.
الخلاصة
لقد أثبتت بيانات شباك التذاكر العالمي بعد جائحة كورونا أن الأذواق السينمائية قد تغيرت بشكل كبير. فالجمهور أصبح أكثر اهتمامًا بالقصص الشخصية والتأملية التي تتناول قضايا الهوية والقلق والبحث عن المعنى. هذا التحول يعكس حالة من الوعي الذاتي والرغبة في فهم العالم من حولنا بشكل أعمق. ويؤكد أن مستقبل السينما قد يكمن في القدرة على التعبير عن الهشاشة والتعقيد الإنساني بصدق وإبداع.


