في ختام فعالياته أمس الجمعة، سلط مهرجان الدوحة السينمائي 2025 الضوء على قضية حيوية تتعلّق بمستقبل السينما العربية: التنوع في النظرة النسائية للسينما، والتحديات والفرص المتاحة للمرأة في صناعة الأفلام. الجلسة الحوارية التي شهدها المهرجان جمعت نخبة من المخرجات العربيات والبريطانيات الفلسطينيات، وقدمت رؤى قيمة حول هذا الموضوع الهام. هذا المقال يستعرض أبرز ما جاء في هذه الجلسة، ويعكس أهمية دعم وتمكين المرأة في عالم السينما.

تعزيز دور المرأة في صناعة الأفلام العربية

شهدت الجلسة الحوارية مشاركة أربع مخرجات بارزات هنّ: فرح النابلسي (بريطانية فلسطينية، مخرجة فيلم “الهدية”)، راوية الحاج (سودانية، مخرجة فيلم “الخرطوم”)، آن ماري جاسر (فلسطينية، مخرجة فيلم “فلسطين 36”)، وجيهان (ليبية سورية، مخرجة فيلم “بابا والقذافي”). ركّز النقاش على التحديات التي تواجههن، وكيف تمكنّ من التغلب عليها، بالإضافة إلى آفاق مشاركة المرأة المتزايدة في الصناعة السينمائية العربية. الموضوع يكتسب أهمية خاصة مع تزايد الوعي بأهمية تمثيل القصص المختلفة وتقديمها من وجهات نظر متنوعة، وهو ما يثري المشهد السينمائي ويجعله أكثر عَدْلاً وتمثيلاً للمجتمعات.

دور المؤسسات في دعم المخرجات

أكدت المخرجة فرح النابلسي على الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات والمنصات السينمائية، مثل مؤسسة الدوحة للأفلام وملتقى “قمرة” السينمائي، في دعم المخرجات وتهيئة البيئة المناسبة للإبداع. وأضافت أن وجود هذه الجلسة، التي تحتفي بالمخرجات وتمنحهن منصة للتعبير عن تجاربهن، هو دليل قاطع على هذا الدعم. هذه المؤسسات لا تقدم الدعم المادي والتقني فحسب، بل تعمل أيضاً على بناء شبكات علاقات قوية بين صانعي الأفلام، مما يسهل عملية التعاون والتوزيع.

أهمية التمويل ومرونته

المخرجة آن ماري جاسر أشارت إلى تحسن المشهد السينمائي العربي، واعتبرته “أكثر عدلاً وتوازناً” بالمقارنة مع مناطق أخرى في العالم. كما لفتت إلى الزيادة في الدعم المتاح لصانعي الأفلام في المنطقة. وتذكرت تجربتها في إنجاز فيلمها “ملح هذا البحر” في عام 2008، عندما استغرقت عملية جمع التمويل حوالي ست سنوات، مؤكدة أن وتيرة الحصول على التمويل أصبحت اليوم أسرع وأكثر مرونة. هذا التطور الإيجابي يعزى إلى زيادة الاستثمارات في الصناعة السينمائية العربية، وظهور مبادرات جديدة تهدف إلى دعم المشاريع الفيلمية الطموحة.

الأصالة والتعبير عن الهوية في الأفلام

المخرجة راوية الحاج لم تخفِ التحديات التي واجهتها خلال إنتاج فيلمها، مؤكدة أنها لم تكن تجربة يسر بها. لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن شعورها بالمسؤولية الكبيرة تجاه تقديم صوت الشعب السوداني. وأوضحت أنها أرادت من خلال فيلمها أن تكون صوتاً للجميع، وليس للنساء أو الرجال أو الأطفال فقط، بل صوتاً يعبر عن تطلعات وآمال المجتمع السوداني بأكمله. هذه الرغبة القوية في التعبير عن الهوية والواقع هي ما يميز العديد من الأفلام العربية التي تسعى إلى تقديم قصص أصيلة وملحة.

التحول الشخصي والتمكين من خلال السينما

أما المخرجة جيهان فقد شاركت تجربتها الشخصية في العمل على فيلم “بابا والقذافي”، وكيف اكتشفت قوة كامنة بداخلها. وأوضحت أنها من خلال صناعة الفيلم، انتقلت من دور المتلقي إلى دور الفاعل والتمكين، وأنها وجدت في السينما وسيلة مثالية لربط قصتها بالعالم. هذا التحول الشخصي يعكس الأثر العميق الذي يمكن أن تحدثه صناعة الأفلام في حياة الأفراد، وكيف يمكن أن تمنحهم صوتاً وقوة للتعبير عن أنفسهم.

مهرجان الدوحة السينمائي ودعم السينما العربية

يُمثل مهرجان الدوحة السينمائي 2025 محطة بارزة في مسيرة مؤسسة الدوحة للأفلام، التي تواصل جهودها الدؤوبة في دعم المواهب الإقليمية وتشجيع إنتاج أعمال سينمائية تحمل قصصًا أصيلة وملحة. يهدف المهرجان إلى إعادة رسم صورة السينما العربية، وإبراز التنوع والإبداع الذي تتميز به. من خلال استضافة جلسات حوارية مثل هذه، يساهم المهرجان في تعزيز النقاش حول قضايا مهمة مثل تمثيل المرأة في السينما، ويفتح الباب أمام فرص جديدة للمشاركة والتعبير.

مستقبل واعد للسينما العربية

يشير هذا النقاش الهام إلى مستقبل واعد للسينما العربية، حيث تتزايد الفرص المتاحة للمرأة في صناعة الأفلام، وتتطور المؤسسات الداعمة، وتتنوع القصص التي تُروى. إن دعم المخرجات هو استثمار في مستقبل هذه الصناعة، وخطوة ضرورية نحو بناء سينما عربية أكثر تمثيلاً وشمولية. من خلال الاستمرار في دعم المرأة وتمكينها، يمكننا أن نشهد ازدهارًا حقيقيًا للسينما العربية، وأن نرى أفلامًا تعكس تنوع المجتمعات وتثري الفكر الإنساني.

يبقى التحدي قائمًا في سبيل تحقيق التوازي الكامل بين الجنسين في مجال السينما، إلا أن الخطوات المتسارعة التي تشهدها المنطقة تبعث على الأمل والتفاؤل بمستقبل أكثر إشراقًا لمخرجات الأفلام العربيات. هذا التفاؤل يتطلب استمرار الجهود المبذولة، وتضافرها، من أجل خلق بيئة داعمة ومحفزة للإبداع، وتمكين المرأة من تحقيق طموحاتها في هذا المجال الحيوي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version