يعيش العالم الإسلامي اليوم تحديات جمة، يرى الدكتور سلمان العودة أن أبرزها ليس الصراع مع القوى الخارجية، بل الخلافات الداخلية التي تعصف بصفوفه. هذا الصراع الداخلي، كما يوضح، ينهك طاقات الأمة ويعيق تقدمها، ويضعف قدرتها على العطاء والتفاعل الإيجابي مع العالم. فهل تكمن المشكلة في وجود الاختلاف بحد ذاته، أم في طريقة إدارته؟ هذا التساؤل المحوري هو نقطة الانطلاق لكتاب الدكتور العودة “كيف نختلف؟”، والذي نسعى في هذه المقالة لاستكشاف أبرز أطروحاته.
أزمة العالم الإسلامي: صراع داخلي أم خارجي؟
يشير الدكتور العودة إلى أن الأمة الإسلامية تعاني من تضجر عميق نتيجة للشقوق والخلافات التي تظهر على السطح، سواء كانت مذهبية، أو قومية، أو قبلية، أو حزبية. هذا التضجر يترجم إلى أسئلة ملحة: إلى متى سيستمر هذا التباين؟ ومتى سنتمكن من تحقيق الوحدة؟ بدلاً من البحث عن حلول سريعة ومبسطة، يدعونا العودة إلى إعادة النظر في جذور المشكلة، وإلى التأمل في طبيعة الخلافات نفسها. فالواقع يشير إلى أن الاختلاف أمر حتمي، وأن محاولة إلغائه هي ضرب من الحلم.
حكمة الاختلاف: ضرورة للتقدم والتنوع
يؤكد الدكتور العودة أن بقاء الاختلاف يحمل في طياته حكمة ربانية بالغة. فكما قال تعالى في سورة هود: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [سورة هود: 118-119]. هذه الآية لا تدعو إلى الاختلاف، بل تبين أنه سنة كونية لا يمكن تغييرها. كما أن التشابه التام يؤدي إلى الركود والملل، بينما الاختلاف يثير التفكير ويحفز على الإبداع والاجتهاد.
والأمر ليس مجرد مسألة نظرية، بل هو ما يؤكده التاريخ والواقع. فكبار العلماء والأئمة، على اختلاف مذاهبهم وآرائهم، لم يتمكنوا من الاتفاق على كل شيء. فإذا كان الاختلاف قائماً حتى بين أزكى وأعلم الناس، فكيف يمكن أن نتوقع خلاف ذلك من غيرهم؟ هذا لا يعني التقليل من أهمية السعي إلى التقارب، بل يعني الاعتراف بحدود قدراتنا البشرية.
أخلاقيات الخلاف: قواعد يجب الالتزام بها
بما أن الخلافات أمر لا مفر منه، فمن الضروري وضع قواعد وأخلاقيات تحكم طريقة التعامل معها. يؤكد الدكتور العودة على أهمية عدم التثريب بين المختلفين، فالأفهام البشرية ليست وحياً معصوماً من الخطأ. كما يدعو إلى الإنصاف، والحذر الشديد في مسائل التكفير، وتجنب التعصب الأعمى للمذهب أو الطريقة أو الشيخ أو الجماعة. الصبر، والرفق، والمداراة، واحتمال الأذى، ومقابلة السيئة بالحسنة، كلها من الأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها المسلمون في خضم الخلاف.
قاعدة رشيد رضا: التعاون في المعروف والتسامح في المختلف فيه
في هذا السياق، يستشهد الدكتور العودة بقاعدة شهيرة للإمام رشيد رضا: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. هذه القاعدة الذهبية تلخص جوهر التعامل الإسلامي مع الخلاف، فهي تدعو إلى التركيز على نقاط الاتفاق وتعزيز التعاون فيها، مع التسامح والتغاضي عن نقاط الاختلاف. وهذا يتماشى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول: “لو دعيت به اليوم لأجبت”، مما يدل على أهمية التعاون في الأمور التي تمس الصالح العام، حتى مع وجود خلافات أخرى.
وحدة القلوب لا وحدة العقول: رؤية متوازنة
يختتم الدكتور العودة كتابه “كيف نختلف؟” بالإعلان عن أن المطلوب هو وحدة القلوب لا وحدة العقول. فالوحدة الحقيقية لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بسلامة الصدر، وعمق الإخاء، والتسامح المتبادل. اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، بل هو دليل على التفكير النقدي والاجتهاد. أما وحدة القلوب فهي شريعة لا خلاف عليها، وهي أساس بناء مجتمع قوي ومتماسك.
إن هذه الرؤية المتوازنة تذكرنا بأهمية ضبط الخلافات والالتزام بأخلاقياتها، خاصة في عصرنا الحالي حيث أصبحت وسائل الاتصال أكثر انتشاراً وتأثيراً. فالصور النمطية والتعميمات الخاطئة يمكن أن تتسبب في تفاقم الانقسامات وتعميق الجراح. لذا، فإن تدريس أدب الخلاف في المدارس والجامعات والمساجد، وتدريب الشباب والفتيات على ممارسته عملياً، هو ضرورة حتمية لبناء مستقبل أفضل للأمة الإسلامية.
نحو أمة متسامحة: دعوة للتغيير
إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس في إيجاد حلول لكل خلاف، بل في تعلم كيفية التعايش مع الاختلاف، وكيفية تحويله إلى قوة دافعة للتقدم والازدهار. يتطلب ذلك جهداً مشتركاً من العلماء، والعامة، والمفكرين، والإعلاميين، لبناء ثقافة التسامح والحوار، وتعزيز قيم الاحترام المتبادل. فالأمة الإسلامية قادرة على أن تكون مثالاً للعالم في التنوع والتعايش السلمي، إذا ما تمكنت من تجاوز خلافاتها الداخلية والتركيز على بناء مستقبل مشرق لأجيالها القادمة.


