بعد مرور سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا تزال التداعيات الاقتصادية تلقي بظلالها على المشهد البريطاني. وبينما تبحث حكومة كير ستارمر عن حلول للخروج من هذا المأزق، تبرز الدعوات المتزايدة لإعادة النظر في العلاقة مع أوروبا، وصولاً إلى احتمال العودة إلى الاتحاد الجمركي. هذا المقال يتناول أبعاد هذه الدعوات، التحديات التي تواجهها، والخيارات المتاحة لبريطانيا في سعيها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

تداعيات “بريكست” والبحث عن مخرج اقتصادي

منذ مغادرتها الاتحاد الأوروبي، تواجه بريطانيا تحديات اقتصادية متزايدة. فقد أدى الانفصال عن السوق الأوروبية الموحدة إلى تعقيدات تجارية، وارتفاع في التكاليف، وتباطؤ في النمو. ونتيجة لذلك، يجد عدد من المسؤولين الحكوميين البريطانيين أنفسهم مضطرين إلى الاعتراف بأن التخلي عن السيطرة على السياسات التجارية المستقلة، من خلال العودة إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، قد يكون الخيار الأفضل لتخفيف وطأة “بريكست”.

ليست هذه الدعوات جديدة، ولكنها تزداد قوة مع استمرار الأزمة الاقتصادية. فالمسؤولون يشيرون إلى أن الاتحاد الجمركي يمثل حلاً عملياً لاستعادة بعض فوائد التجارة الحرة مع أوروبا، دون الحاجة إلى إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطًا من مختلف الأطراف، مما يجعله يتعامل مع هذه الدعوات بحذر شديد.

مواقف متباينة داخل الحكومة البريطانية

يتعامل كير ستارمر بحذر مع المطالبات بإعادة تأهيل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والتي تتراوح بين الدعوة إلى اتفاقيات تجارية أوسع نطاقاً والعودة إلى الاتحاد الجمركي. يأتي هذا الحذر في ظل وجود انقسامات داخل حزب العمال نفسه، وبين المؤيدين والمعارضين لـ “بريكست” بشكل عام.

رئيس الوزراء البريطاني مهتم بتعزيز العلاقة مع السوق الموحدة، ولكنه في الوقت نفسه يحرص على إعطاء فرصة للاتفاقيات التجارية الجديدة التي أبرمتها بريطانيا مع دول أخرى، مثل الولايات المتحدة والهند. ويرى ستارمر أن هذه الاتفاقيات يمكن أن تكون محركًا للنمو الاقتصادي، ولكنها تحتاج إلى وقت لإثبات فعاليتها.

“إعادة ضبط بريكست”: نحو توافق جديد مع أوروبا؟

شعار “إعادة ضبط بريكست” الذي رفعه ستارمر في حملته الانتخابية يشير إلى رغبته في مراجعة العلاقة مع بروكسل. فقد عقد قمة في مايو الماضي مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي في لندن، وهي الأولى من نوعها منذ خروج بريطانيا من التكتل.

تتمثل فكرة “إعادة الضبط” في إعادة التوافق مع بعض قواعد الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك المتعلقة بصادرات المنتجات الزراعية والغذائية، والكهرباء، وتجارة الانبعاثات. يهدف هذا التوجه إلى تسهيل التجارة مع أوروبا وتقليل العقبات التي فرضها “بريكست”. وهذا ما يدفع نحو البحث عن اتفاقية بريكست جديدة شاملة.

التحديات الأوروبية وتصلب المواقف

على الرغم من الحماس البريطاني، تواجه جهود تدارك اختلالات “بريكست” مقاومة من الجانب الأوروبي. فقد تعثرت المحادثات المتعلقة بمشاركة بريطانيا في برنامج التسلح الأوروبي (SAFE) بسبب اشتراط الأوروبيين مساهمة مالية بريطانية.

ويظهر تصلب الموقف الأوروبي في رفضهم تسهيل حركة السلع دون شروط، بما في ذلك حرية حركة العمالة والخدمات، بالإضافة إلى المطالبة بمساهمة مالية بريطانية. هذه الشروط تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها “بريكست”، وهي استعادة الاستقلالية الاقتصادية ووقف تدفق العمالة الأجنبية.

الخبير التجاري البريطاني ديفيد هينغ يؤكد أن إبرام اتفاق جمركي شامل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ليس بالأمر السهل، ويتطلب تنازلات كبيرة من الجانبين. ويضيف أن الأوروبيين لن يقبلوا بتسهيلات تجارية كبيرة دون مقابل، مما يجعل المفاوضات معقدة للغاية.

الضغوط الأميركية وتوازنات السياسة الخارجية

لا يقتصر التحدي على الجانب الأوروبي فحسب، بل تواجه الحكومة البريطانية أيضًا ضغوطًا من الولايات المتحدة. فالإدارة الأميركية تمارس ضغوطًا على لندن لإلغاء الضريبة الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية، مما أدى إلى تعليق الاستثمارات الأميركية في قطاع التكنولوجيا البريطاني بقيمة 31 مليار جنيه إسترليني.

في محاولة لتهدئة التوترات، لجأت بريطانيا إلى القوة الدبلوماسية الناعمة، من خلال استضافة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيارة للقصر الملكي. لكن صحيفة التايمز كشفت أن الملك تشارلز الثالث قد يضطر إلى زيارة واشنطن بنفسه في محاولة لإنعاش العلاقات التجارية بين البلدين.

مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي

تحاول الحكومة البريطانية تحقيق توازن بين إعادة تأهيل علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، وبين الحفاظ على استقلالها التجاري. وهذا يتطلب مراجعة بعض الاتفاقيات أو الانسحاب منها، مما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيدات.

الخبيرة الاقتصادية سوزي دانيسون ترى أن هناك رغبة مشتركة بين بريطانيا وأوروبا في إصلاح العلاقات، ولكن الطرفين عالقان في التفاصيل الدقيقة. تؤكد دانيسون أن البريطانيين يواجهون معضلة المواءمة بين المطالب الأميركية والقيود الأوروبية، مما يجعل مهمة إيجاد حلول مرضية للطرفين صعبة للغاية.

في الختام، يبدو مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي غامضًا ومليئًا بالتحديات. فبينما تسعى الحكومة البريطانية إلى إيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية، تواجه مقاومة من الجانب الأوروبي وضغوطًا من الولايات المتحدة. يتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي البريطاني إيجاد حلول مبتكرة، وتنازلات من جميع الأطراف، ورؤية استراتيجية واضحة للمستقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version