تشهد المغرب انتعاشًا اقتصاديًا ملحوظًا مع استضافة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم (الكان)، حيث تدفق المشجعون من مختلف أنحاء القارة السمراء لدعم منتخباتهم والاستمتاع بالبطولة. هذا التدفق السياحي غير المسبوق يمثل فرصة ذهبية لتعزيز الاقتصاد المحلي، خاصة في المدن المستضيفة مثل الرباط والدار البيضاء وأغادير. لم يعد الأمر مجرد حدث رياضي، بل تحول إلى محرك رئيسي للنمو في قطاعات متعددة.

ازدهار اقتصادي بفضل الكان: الرباط في الصدارة

تعتبر الرباط، العاصمة المغربية، مركزًا رئيسيًا للبطولة، حيث تستضيف النسبة الأكبر من المباريات. هذا التركيز أدى إلى حالة من الازدهار في مختلف القطاعات التجارية والخدمية. المدينة تشهد حركة نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي وأسواق الحرف التقليدية، بالإضافة إلى خدمات النقل والسياحة.

أحد أبرز المستفيدين من هذا الحراك هو محمد بوحلاب، صاحب مطعم “الباهية” العريق في المدينة القديمة. يقول بوحلاب، الذي ورث المطعم عن عائلته عام 1970، أنه لم يشهد إقبالاً مماثلاً من قبل. “لم نسجل مثل هذا الإقبال في العام الماضي، ولم نتوقع أن نعيشه هذه السنة”، مؤكدًا أن حضور الجماهير الأفريقية غيّر المعادلة بشكل جذري، حتى في ظل الظروف الجوية الصعبة.

يُقبل المشجعون على تناول الأطباق المغربية التقليدية، مثل الطاجين بأنواعه المختلفة والكسكس والمشويات، مما يعزز من مكانة المطبخ المغربي كوجهة سياحية بحد ذاته. وتستجيب السلطات المحلية لهذه الزيادة في الطلب بتمديد مواعيد إغلاق المطاعم والمقاهي، مع الحفاظ على معايير الجودة والسلامة من خلال عمليات التفتيش المنتظمة وأخذ العينات.

تأثير الكان يمتد إلى مختلف المدن المغربية

لم يقتصر التأثير الإيجابي لـ كأس أمم أفريقيا على الرباط وحدها. المدن الأخرى المستضيفة، مثل الدار البيضاء وأغادير ومراكش وطنجة وفاس، تشهد هي الأخرى ارتفاعًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي.

في أغادير، صرح عبد الله بولغمير، نائب رئيس بلدية المدينة، بأن البطولة تمثل فرصة لتعزيز صورة المدينة كوجهة سياحية جاذبة. وأضاف أن نسب الإشغال في الفنادق ارتفعت بشكل كبير، لتتراوح بين 60% و100%، فضلاً عن انعكاس الزخم السياحي على المطاعم والمقاهي والنقل والصناعات التقليدية.

وبالمثل، في الدار البيضاء، أكد محمد الساوتي، رئيس الجمعية الجهوية للصناعة الفندقية، على استفادة الفنادق بشكل واضح من تدفق الجماهير. وشدد على أن القطاع الفندقي والسياحي استعد مبكرًا للبطولة من خلال دورات تدريبية تهدف إلى ضمان مستوى عالٍ من الخدمات.

الاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030

يعتبر الكثيرون أن الكان يمثل بروفة قيمة للمغرب قبل استضافة بطولة كأس العالم 2030، التي ستنظمها المملكة بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. تتيح البطولة فرصة لتقييم جاهزية البنية التحتية والخدمات، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير.

كما أنها فرصة لتعزيز الثقة في قدرة المغرب على استضافة فعاليات رياضية عالمية المستوى. و يرى المختصون أن النجاح في تنظيم كأس أمم أفريقيا سيعزز مكانة المغرب على الخريطة السياحية العالمية، ويساهم في جذب المزيد من الاستثمارات.

السياحة المغربية تحطم الأرقام القياسية

الأرقام الرسمية تؤكد هذا الازدهار. صرح رئيس الكونفدرالية الوطنية للسياحة، حميد بن الطاهر، بأن المغرب استقبل حوالي 18 مليون سائح حتى نوفمبر الماضي، مع توقعات بزيادة هذا الرقم إلى 20 مليونًا بنهاية العام. هذا الإنجاز يعكس التأثير الكبير للبطولات الكبرى على النمو السياحي في المغرب.

وزارة السياحة المغربية أعلنت مؤخرًا عن وصول عدد السياح إلى 19.8 مليون سائح خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 14% مقارنة بالعام 2024. وبلغت الإيرادات السياحية مستويات قياسية بلغت 124 مليار درهم (حوالي 13.5 مليار دولار) خلال الفترة من بداية عام 2025 وحتى نهاية نوفمبر الماضي، بزيادة قدرها 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025.

هذا النجاح يبرز أهمية السياحة كركيزة أساسية للاقتصاد المغربي، ويؤكد على ضرورة الاستمرار في تطوير هذا القطاع الحيوي. بالإضافة إلى ذلك، يمثل الكان فرصة للترويج السياحي للمغرب وأفريقيا كوجهتين سياحيتين واعدتين. فالقارة الأفريقية لا تستقطب سوى 5% فقط من إجمالي عدد السياح الدوليين في العالم، وهو ما يمثل مجالًا واسعًا للنمو والتوسع.

باختصار، كأس أمم أفريقيا ليست مجرد حدث رياضي، بل هي فرصة اقتصادية واجتماعية وثقافية عظيمة للمغرب. فهي تعزز النمو السياحي، وتدعم قطاع المطاعم والفنادق، وتساهم في تطوير البنية التحتية، وترسخ مكانة المغرب كوجهة عالمية لاستضافة الفعاليات الكبرى. ومن المتوقع أن يستمر هذا الزخم الإيجابي في السنوات القادمة، خاصة مع اقتراب موعد استضافة كأس العالم 2030.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version