تتجه ليبيريا نحو مستقبل أكثر سلاسة في حركة المرور مع إحياء مشروع طموح كان معلقًا لسنوات. هذا المشروع، الذي يتضمن بناء جسرين علويين في العاصمة مونروفيا، يمثل أكثر من مجرد حل لأزمة الازدحام؛ إنه رمز للعلاقات المتنامية بين ليبيريا والصين، وقصة عن التوازن الدبلوماسي والتحديات الجيوسياسية. يركز هذا المقال على تفاصيل هذا المشروع المهم، والظروف التي أدت إلى توقفه، وجهود استئناف العمل فيه، وأهميته المستقبلية لليبيريا والقارة الأفريقية. جسر مونروفيا هو محور حديثنا هنا.
خلفيات توقف مشروع جسر مونروفيا: قصة حياد ليبريا
في تصريح مفاجئ، كشف الرئيس الليبيري السابق جورج وياه عن الأسباب الحقيقية وراء تأخر تنفيذ مشروع بناء الجسرين العلويين في مونروفيا خلال فترة ولايته. وبينما كانت التوقعات عالية لإنجاز المشروع الذي يهدف إلى تخفيف الاختناقات المرورية المتزايدة في العاصمة، إلا أن الظروف السياسية المعقدة لعبت دورًا حاسمًا في تعليقه.
وكشف وياه خلال حديثه في تجمع شعبي بأحد الكنائس، أنه على الرغم من إتمام حكومته لجميع الإجراءات الفنية والإدارية اللازمة، إلا أنها رفضت الانخراط في التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة. وأوضح أن كلا البلدين كانا يقدمان مشاريع تنموية لليبيريا، وكانتا تتوقعان من ليبيريا أن تنحاز لأحدهما.
“لأنهم يقدمون لنا مشاريع، اعتقدوا أننا يجب أن ننخرط في سياسات الآخرين، لكنني كنت الرئيس وقلت لا”، هذا ما قاله وياه، مؤكدًا على التزام ليبيريا بسياسة الحياد. وأضاف أن علاقات ليبيريا مع كل من الصين والولايات المتحدة مبنية على الشراكة المتوازنة والمصالح المتبادلة، ولا يمكن أن تكون مشروطة بالانحياز إلى طرف على حساب الآخر. كانت ليبيريا حريصة على عدم استغلال دعمها الخارجي كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية والدولية.
التزامات الصين المبكرة والمشاريع المتوقفة
في بداية فترة رئاسة وياه، جددت الصين دعمها لبرنامج “أجندة الشعب من أجل الرخاء والتنمية” الليبيرية. وزير الخارجية الصيني وانغ يي أعلن عن التزام بلاده بالتعاون القائم على “الصدق والنتائج الحقيقية والمنفعة المتبادلة”.
وعلاوة على ذلك، خصصت الصين منحة مالية كبيرة بقيمة 200 مليون يوان (حوالي 29.5 مليون دولار) لتنفيذ مجموعة من المشاريع المتفق عليها، بما في ذلك بناء جسر مونروفيا العلويين. تم الإعلان عن هذه المنحة خلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي في عام 2018، بحضور الرئيس وياه والرئيس الصيني شي جين بينغ.
ومع ذلك، على الرغم من هذه التعهدات القوية، لم يتم إحراز تقدم ملموس في بناء الجسرين طوال فترة ولاية وياه. هذا الأمر أثار تساؤلات حول أسباب التأخير، خاصة وأن المشروع كان يعتبر أولوية وطنية لتخفيف أزمة المرور في مونروفيا.
إحياء مشروع جسر مونروفيا في عهد بواكاي
بعد توليه السلطة، أدرك الرئيس جوزيف بواكاي الأهمية الاستراتيجية لمشروع جسر مونروفيا، وقرر إعطاءه دفعة جديدة. في الثاني من سبتمبر 2025، وضع الرئيس بواكاي حجر الأساس للجسرين، بحضور السفير الصيني لدى ليبيريا ين تشينغوو.
وخلال حفل وضع حجر الأساس، أعرب بواكاي عن تقدير حكومته العميق “لسخاء الصين ودعمها المستمر لتحول الاقتصاد الليبيري”. وأكد أن المشروع يمثل خطوة حاسمة نحو معالجة أزمة الازدحام المروري المزمنة وتحسين كفاءة حركة النقل في العاصمة. يمثل هذا المشروع نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية في ليبيريا.
من جانبه، وصف السفير الصيني المشروع بأنه “رمز للشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين”، مؤكدًا أنه نتيجة مباشرة للمحادثات الثنائية بين الرئيس بواكاي والرئيس شي جين بينغ خلال قمة بكين 2024 لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي.
الآفاق المستقبلية: نحو مونروفيا أكثر سلاسة وفعالية
من المتوقع أن يتم الانتهاء من بناء الجسرين بحلول عام 2027، كجزء من مبادرة صينية أوسع نطاقًا لدعم تطوير البنية التحتية في ليبيريا. ولدى الانتهاء، من المتوقع أن يساهم جسر مونروفيا بشكل كبير في تخفيف الضغط المروري في المناطق الحيوية في العاصمة، مثل المنطقة المحيطة بالمجمع الوزاري وشارع إس كيه دي بوليفارد.
بالإضافة إلى الفوائد المباشرة في مجال النقل، سيساهم إنجاز هذا المشروع في تعزيز الصورة الإيجابية للتعاون الصيني الليبيري على الصعيدين الإقليمي والقاري. كما سيؤكد التزام الصين بدعم التنمية المستدامة في أفريقيا، وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
يعتبر هذا المشروع مثالًا حيًا على قدرة ليبيريا على التنقل بذكاء في المشهد الجيوسياسي المعقد، وتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال الشراكات المتوازنة. إنه أيضًا دليل على أن الصبر والمثابرة يمكن أن يؤديا إلى تحقيق الأهداف الطموحة، حتى في مواجهة التحديات غير المتوقعة. نتطلع إلى رؤية جسر مونروفيا يضيء سماء العاصمة، ويفتح آفاقًا جديدة للنمو والازدهار في ليبيريا.


