في تطور لافت، تتجه الأنظار نحو مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، وتحديدًا رئيسه جيروم باول، مع الكشف عن تحقيق أولي واستدعاءات قانونية تتعلق بشهادته أمام الكونغرس. يدور التحقيق حول مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفدرالي في واشنطن، والذي تقدر تكلفته بحوالي 2.5 مليار دولار، وما إذا كانت المعلومات المقدمة حول هذا المشروع دقيقة. هذا الحدث يثير تساؤلات حول استقلالية البنك المركزي، وهي قضية تاريخية في الولايات المتحدة.

تحقيق مع باول: تفاصيل وتداعيات محتملة

وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، تلقى جيروم باول مذكرة استدعاء للتحقيق في دقة إفاداته أمام لجنة البنوك في مجلس الشيوخ خلال شهر يونيو الماضي. وفي رسالة نادرة، أكد باول تلقي هذه المذكرة الصادرة عن هيئة محلفين كبرى من وزارة العدل، واصفًا التحقيق بأنه “غير مسبوق”. أكد باول أيضًا أنه أدى مهامه “دون خوف أو محاباة سياسية”، لكن هذا لا يقلل من خطورة الموقف.

التحقيق لا يتعلق فقط بتكاليف التجديد، بل يمتد ليشمل المخاوف المتعلقة باستقلالية الاحتياطي الفدرالي. يرى باول أن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية قد يكون مرتبطًا برفض البنك المركزي الخضوع للتفضيلات السياسية في تحديد أسعار الفائدة. هذا يضع الضغوط على البنك المركزي في وقت حرج، خاصة مع اقتراب نهاية فترة ولاية باول.

تاريخ الصدامات بين الرؤساء والاحتياطي الفدرالي

هذا ليس أول صراع بين الرؤساء الأمريكيين ومجلس الاحتياطي الفدرالي. على مر العقود، شهدت العلاقة بين السلطتين السياسية والمالية العديد من التوترات. فيما يلي نظرة على خمسة من أبرز هذه الصراعات:

مواجهة ترومان ومارينر إيكلز (1951)

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سعى الرئيس هاري ترومان إلى إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لتمويل الدين العام المتراكم. لكن الاحتياطي الفدرالي، بقيادة مارينر إيكلز، رفض هذا الإجراء، معتبرًا أنه سيؤدي إلى تفاقم التضخم. بلغ الصراع ذروته عندما نشر إيكلز محاضر اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، والتي كشفت عن خلاف بينه وبين ترومان. في النهاية، انتصر الفدرالي، وتم منحه استقلالية أكبر في تحديد السياسة النقدية.

مواجهة جونسون وويليام مارتن (1965)

أثار قرار رئيس الاحتياطي الفدرالي ويليام مارتن بتشديد الائتمان لتمويل حرب فيتنام غضب الرئيس ليندون جونسون. تشير التقارير إلى أن جونسون حاول إقناع مارتن بتخفيف السياسة النقدية، لكن مارتن تمسك باستقلاليته. وقد وصل الأمر إلى حد قيام جونسون بدفع مارتن في أرجاء الغرفة، معربًا عن استيائه من قراره. على الرغم من المقاومة الأولية، يبدو أن الفدرالي قد استسلم لاحقًا لضغوط البيت الأبيض.

مواجهة نيكسون وآرثر بيرنز (1971-1972)

قبل انتخابات 1972، مارس الرئيس ريتشارد نيكسون ضغوطًا على الاحتياطي الفدرالي، بقيادة آرثر بيرنز، لخفض أسعار الفائدة بهدف تحفيز الاقتصاد. استجاب بيرنز لهذه الضغوط، وتبنى سياسة نقدية توسعية. على الرغم من أن هذه السياسة ساهمت في فوز نيكسون بولاية ثانية، إلا أنها مهدت الطريق لأزمة تضخم كبرى في السبعينيات. هذا الصراع يُعد مثالًا صارخًا على مخاطر إخضاع السياسة النقدية للمصالح السياسية قصيرة المدى.

مواجهة كارتر وبول فولكر (1979-1981)

في ظل تدهور الثقة بالدولار وارتفاع معدلات التضخم، عين الرئيس جيمي كارتر بول فولكر رئيسًا للاحتياطي الفدرالي في عام 1979. تبنى فولكر سياسة نقدية صارمة، رفع بموجبها أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية. أدت هذه السياسة إلى ركود عميق، لكنها نجحت في كبح التضخم ووضع أسس استقرار الأسعار على المدى الطويل. على الرغم من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، لم يتراجع فولكر عن نهجه.

مواجهة بوش الأب وألان غرينسبان (1991-1992)

خلال فترة ولايته، انتقد الرئيس جورج بوش الأب الاحتياطي الفدرالي، بقيادة ألان غرينسبان، بسبب بطء وتيرة التعافي الاقتصادي بعد ركود عام 1990-1991. اتهم بوش الفدرالي بالتباطؤ في خفض أسعار الفائدة. لكن غرينسبان تمسك بنهجه الحذر، محذرًا من أن التيسير السريع قد يؤدي إلى عودة التضخم. في النهاية، خسارة بوش انتخابات 1992 تعززت فكرة أن السياسة النقدية المستقلة ضرورية للاقتصاد.

مستقبل استقلالية البنك المركزي

التحقيق الجاري مع جيروم باول يمثل تهديدًا حقيقيًا لاستقلالية البنك المركزي. إذا تم توجيه اتهامات جنائية إليه، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة في المؤسسة وتقويض قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة. هذا قد يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

من المهم أن نتذكر أن استقلالية البنك المركزي هي حجر الزاوية في السياسة النقدية الرشيدة. إنها تسمح للبنك المركزي باتخاذ قرارات صعبة، حتى لو كانت غير شعبية، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام. الحفاظ على هذه الاستقلالية أمر ضروري لضمان مستقبل اقتصادي مزدهر. النقاش حول دور الاحتياطي الفدرالي في الاقتصاد الأمريكي سيستمر بالتأكيد في ظل هذه التطورات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version